هل يُحبط “الحزب” جهود “الخماسيّة” مرة جديدة؟

جورج حايك
جورج حايك

لا بد من الاعتراف بأن ثمة حراكاً سياسياً رئاسياً في أكثر من إتجاه، وأهمه الحراك الذي تبادر اليه اللجنة الخماسية المؤلفة من سفراء خمس دول: الولايات المتحدة الأميركية، فرنسا، السعودية، قطر ومصر، وهذا يعكس اهتماماً دولياً عالي المستوى بالشأن اللبناني، لكن يبدو أن الخلافات اللبنانية حول الانتخابات الرئاسية لم تجد علاجاً ناجعاً حتى الآن، وقد دخلت قطر مؤخراً على الخط الرئاسي من خلال دعوة القيادات اللبنانية إلى الدوحة، وهذه الخطوة لا تقوم بها قطر منفردة إنما بالتنسيق مع “الخماسية”.

وتتحدث مصادر ديبلوماسية عربية بوضوح عن انسجام كبير بين دول اللجنة الخماسية، التي أنشئت بسبب الشغور الرئاسي وبهدف مساعدة لبنان على إنتخاب رئيس، وهذا أمر يجب أن يقدّره اللبنانيون، وفق المصادر.

صحيح أن “الخماسية” مرّت بطلعات ونزلات وخصوصاً عندما غرّدت فرنسا خارج سرب اللجنة عبر دعمها رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية، إلا أن المصادر الديبلوماسية تؤكد أن “فرنسا أدركت لاحقاً أن الباب مقفل أمام انتخاب فرنجية، فعادت والتزمت بسقف الخماسية، وما يمكن استخلاصه اليوم هو أن هذه الدول باتت في إتجاه واحد، وتعمل على نحو متناغم، وبعد لقائها الأول في باريس، التقت ثانية في الدوحة وكان بيانها واضحاً وأشبه بالبيان التأسيسي، يدعو الأطراف اللبنانية إلى الالتزام بالقرارات الدولية والدستور ومركزية دور الدولة، ولوّح بالعقوبات على معطّلي الانتخابات الرئاسية، وهذه البنود أكد عليها السفراء مجدداً في لقائهم الأخير في السفارة الأميركية في عوكر”.

بعد إخفاق المبادرة الفرنسية، أجرت “الخماسيّة” ما يُشبه الحركة التصحيحية، وتلفت المصادر الديبلوماسية العربية إلى أنه “باتت هناك قناعة لدى هذه الدول بأن لا أحد في لبنان يُمكنه أن ينتخب رئيساً على حساب فريق آخر، وبالتالي حُسِمَ الأمر ولا مجال إلا في البحث عن خيار ثالث لأن لا إمكان لوصول فرنجية إلى الرئاسة، يعني لا غالب ولا مغلوب”.

وتكشف المصادر ما هو أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن “السعودية وكل الدول المشاركة في الخماسية لن تسمح لإيران عن طريق حزب الله أن يكون لها تأثير في انتخاب رئيس، بل تسعى إلى أن تكون الانتخابات الرئاسية مدخلاً لترسيخ التوازن في لبنان، لا ترسيخ غلبة إيران وحلفائها في المعادلة الداخلية، وهذا ما ينسجم مع إتفاق بكين وغيره”.

بات محسوماً أن “الخماسيّة” تعمل على مبدأ الخيار الثالث رئاسياً، وكل مساعيها اليوم تتعلق بكيفيّة وصول هذا الرئيس، وما تتحدث عنه المصادر الديبلوماسية العربية قد يكون مفاجئاً للبعض، وتوضح أن “مبادرة كتلة الاعتدال لم تأتِ من تلقاء نفسها ولا من الرئيس نبيه بري كما يُشاع، إنما هي تدور في فلك السفير السعودي وليد بخاري، وتعمل بتوجيهات السعودية التي لا تريد رئيس تحدٍ بل تحبّذ أن يكون الاستحقاق توافقياً، ولو كان عكس ذلك، لطلبت من نواب الاعتدال التصويت للوزير السابق جهاد أزعور”.

في الآونة الأخيرة تبدو حركة “الخماسيّة” مقلقة لـ”حزب الله” وحليفه بري، وترى المصادر الديبلوماسية أن “الخماسية تؤكّد على آلية مشاورات محدودة النطاق لا حواراً كما يريده بري، وخصوصاً أن السعودية حريصة على اتفاق الطائف ولا تستسيغ أفكاراً غير دستورية كجلسة حوار، إنما مشاورات بعيدة عن الأضواء ممكن أن تؤدي إلى اتفاق على مرشّح واحد، وإذا لم يحصل اتفاق حول إسم واحد، فلا بد من الذهاب إلى جلسة مفتوحة بدورات متتالية، وهذا لا يتطابق مع طروح بري”.

واللافت أن توجّهات المعارضة اللبنانية تلتقي مع توجّهات “الخماسية” وترتاح إلى حركتها، لكنها تؤمن بأن الفريق الممانع لن يقبل بها، وسيعمد إلى العرقلة.

في موازاة ذلك، تعتبر المصادر الديبلوماسية العربية أن الحركة القطرية تتكامل مع حراك “الخماسيّة”، وتعمل الدوحة على تسريع وتيرة الانتخابات الرئاسية من خلال لقاءات مع القادة اللبنانيين على نحو افرادي، وقد بدأت تستقبلهم الواحد تلو الآخر، بدءاً بقائد الجيش العماد جوزيف عون ثم رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” السابق وليد جنبلاط، وبات معروفاً أنها وجّهت دعوة إلى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع. وتلفت المصادر إلى أن “هدف الدوحة ليس عقد مؤتمر دوحة 2 كما يروّج البعض لأن مؤتمر الدوحة عام 2008 فرضته ظروف عسكرية معينة، إنما تحقيق خرق على صعيد الانتخابات الرئاسية لا أكثر ولا أقل”.

أما السؤال الأساسي الذي يتبادر إلى الأذهان فهو لماذا تقوم قطر بهذه المبادرة وليس أي دولة أخرى؟ تجيب المصادر الديبلوماسية: “ان حركة قطر أتت بطلب أميركي من أجل أن تنتزع إدارة الرئيس جو بايدن إنجازاً على صعيد الانتخابات الرئاسية قبل أن تدخل في عطلتها الصيفيّة في شهر آب ثم الانتخابات الرئاسية الأميركية في الخريف المقبل، كما تعمل على تحقيق إنجاز في غزة عبر التوصّل إلى هدنة بين اسرائيل وحماس، فيدخل بايدن إلى السباق الرئاسي حاملاً في جيبه إنجازين”.

ولكن تستطرد المصادر أن “رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أحبط المساعي في ما يخصّ غزة عبر هجومه على رفح من جهة، وحزب الله يكاد يُحبط المساعي القطرية عبر تمسّكه بترشيح فرنجية ورفضه الذهاب إلى خيار ثالث من جهة أخرى”.

وتكشف المصادر الديبلوماسية أن الخرق في الموضوع الرئاسي اللبناني يبدو صعباً قبل انتهاء الحرب في غزة، و”الحزب” لن يسهّل أي مبادرة لـ”الخماسية” أو قطر أو كتلة “الاعتدال”، لأن مصلحته أن يقود المفاوضات الحدودية بعد توقّف الحرب مع اسرائيل كي يوظّفها لمصلحته، وخصوصاً أن لا مصلحة له في انتخاب رئيس يسجّل انجازاً للدولة اللبنانية.

في الختام، لن تتوقّف مساعي “الخماسيّة”، على الرغم من كل العراقيل، لتبقي الملف الرئاسي في الأضواء وبوتيرة عالية، والجميع بإنتظار الموفد الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان الذي سيصل الى بيروت الثلاثاء المقبل في 28 أيّار الجاري، ليستكمل مهمته السابقة بالتنسيق مع “الخماسية” وبدفع أميركي ملحوظ، ومن المتوقع أن يلتقي الأقطاب السياسية اللبنانية، وبعدها سيُبنى على الشيء مقتضاه!

شارك المقال