لا يمكن أن تكون الذاكرة الوطنية انتقائية واستنسابية، بل يجب أن تلتزم وحدة المعايير، وخلفية هذا الكلام تأتي من الجدل القائم حول الاحتفال بعيد المقاومة والتحرير في 25 أيار وتحديده كعطلة رسميّة، فيما نكران هذا الحق عن جزء كبير من اللبنانيين الذي يعتبرون وجوب تحديد 26 نيسان كذكرى لإنسحاب الجيش السوري من لبنان وضرورة اعتباره عطلة رسميّة وطنيّة.
ولا شك في أن تعاطي الحكومات اللبنانية منذ العام 2005 حتى اليوم مع هذه القضية لم يكن متوازناً، وتدريجياً ظهر أن لا وجود في قاموس فريق الممانعة أي “حزب الله” وحلفائه لذكرى التحرير من الاحتلال السوري، ضاربين عرض الحائط بتضحيات آلاف الشهداء الذين سقطوا في مواجهة جيش دولة قيل إنها شقيقة، إلا أنها أمعنت خلال 30 عاماً في ممارسة كل أنواع العنف والقتل والإخفاء القسري لجزء كبير من اللبنانيين، بحيث إذا أجرينا احصاء يتبيّن أن الخسائر البشرية والمادية التي خلّفها الاحتلال السوري تتجاوز الخسائر التي سبّبها الاحتلال الاسرائيلي.
وإنصافاً للحق والحقيقة لا فرق بين احتلال وآخر، وليس هناك “احتلال بسمنة واحتلال بعسل”، إلا أن “حزب الله” الذي يستخدم فائض القوة بفضل السلاح، يقرأ تاريخ لبنان انطلاقاً من رؤية إيرانية وليست لبنانية، وهو يعتبر النظام السوري حليفه ولا يعترف بحدود في المساحة الجغرافية الممتدة من إيران إلى لبنان وقد توّجها بمعادلة “وحدة الساحات”، وبنى سرديته على العداء لاسرائيل، ولا أحد ينكر أنه قام بعمليات عسكرية قبل الـ2000 ضد العدوّ، ولو لأهداف أحياناً لا علاقة لها بلبنان أو لتوجيه رسائل، والعمل على مضاعفة قدراته العسكرية.
وعلى الرغم من انسحاب اسرائيل عام 2000، لم يتمكّن اللبنانيون من الاحتفال الفعلي باستعادة لبنان أرضه لأن “الحزب” منع على الدولة أن تكون صاحبة القرار على الحدود التي أبقاها تحت سيطرته الاقليمية، ورفض تسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني وبسط سيادته على الحدود، وما نشهده منذ 7 تشرين الأول الفائت حتى اليوم دليل واضح على مصادرة قرار السلم والحرب.
والمفارقة أن “الحزب” يرفض تسليم سلاحه متذرعاً بأن الأراضي اللبنانية لا تزال محتلة، وهنا لا بد من سؤال موضوعي: لماذا الاحتفال بعيد المقاومة والتحرير ما دام البلد لا يزال محتلاً؟
مع ذلك، لم ينكر الشركاء في الوطن غير المؤيدين لسياسة “الحزب” في لبنان وليسوا قلّة، حقه وكل اللبنانيين في الاحتفال بتحرّر لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، لكن هو يمارس الاستعلاء والعنجهية ضد هؤلاء وينكر بداية مقاومتهم العسكرية ضد الاحتلال السوري وتحوّلها شعبيّة وسياسيّة وطلاّبيّة فيما بعد، نتيجة إمعانه في التّصرّف بمقدّرات البلاد وسقوط الآلاف من الشّهداء. ولم يكتفِ “الحزب” بذلك، بل يبالغ كل سنة في الاحتفال بعيد المقاومة والتحرير عبر هيمنته على الحكومات، وآخرها حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي عبر الطلب من المدارس والمعاهد والجامعات تخصيص الحصة الأولى لشرح أهمية هذا العيد، ما أثار نقمة كبيرة لدى “القوات اللبنانية” و”الكتائب” اللذين اعتبرا هذا الأمر تدخلاً في البرامج التربوية وتكريس مفهوم واحد والغاء للمفهوم الآخر المتعلّق بالاحتلال السوري، وطالبا بتخصيص حصة تتعلّق بالمناسبة الوطنية المتمثلة بخروج الجيش السوري أيضاً.
يُقال إن الأقوياء يكتبون التاريخ، فهل أصبحنا أمام قول جديد، هو أن المسلحين يكتبون التاريخ؟ يجيب عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب جورج عقيص: “ليس دقيقاً هذا الكلام، لأن الأحرار منذ فجر التاريخ يكتبون وحدهم تاريخ لبنان، وخصوصاً أن هؤلاء صنعوا النهضة الفكريّة والثقافية والعلمية والأدبية منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم، ومن كتب التاريخ سيواظب على كتابته من دون توقّف”، مشيراً إلى أن “هذه الحقبة ستطوى وسنستعيد جزءاً من رأسمالنا البشري”.
ويستطرد عقيص: “هذا لا يعني أننا لا نعتبر اسرائيل عدواً بل هي عدو للعرب، ونحن كدولة لبنانية ملتزمون بميثاق الجامعة العربية، لكن السوريين أيضاً لم يقصّروا باللبنانيين من خلال القصف والقتل والخطف وكل الموبقات التي ارتكبوها في لبنان، كل ما يفعله حزب الله هو المزايدة بالنسبة إلى العداء لاسرائيل والاحتفال بعيد المقاومة والتحرير، علماً أن لا فرق بين محتل وآخر، ولا تمييز بين سوريا واسرائيل بالنسبة إلينا”.
إن المعارضة لإسرائيل هي العنصر المحرك لسياسة “الحزب” بنواحيها كافة. فإذا احتج المرء على أعمال الحزب في لبنان أو المنطقة، صُنف بالعميل لإسرائيل وبالخائن. وفي الواقع، يستخدم “حربه الوجودية” ضد الدولة اليهودية كذريعة لتضييق الخناق على الحريات الأساسية. ويقوم “الحزب” بإرهاب المواطنين اللبنانيين كل يوم بإسم فلسطين. فقد عزل المجتمع الشيعي عن بقية الطوائف وشنّ الحروب في المنطقة نيابة عن إيران. وكل ذلك فيما يستحوذ على مؤسسات الدولة اللبنانية.
لقد كان لبنان سابقاً دولة حرة فريدة في منطقة مليئة بالديكتاتوريات والمستبدين. اليوم، تقوم مؤسسات الدولة التي يهيمن عليها “الحزب” باستئصال تلك الحريات، وبذلك يشوّه صورة لبنان ويعمل على تزوير تاريخه وقلب الحقائق. ويؤكد عقيص “لا أرى أن التشويه يقتصر على التاريخ وحسب، بل يطال الهوية اللبنانية التي تقوم على ثوابت الحرية، الديموقراطية والتعددية، والمؤسف أن هذه الأقانيم الثلاثة في خطر، بحيث نتجه إلى نظام شمولي لا يحترم الحريات ولا يؤمن بالنظام الديموقراطي، بدليل ما يفعله الحزب على صعيد الانتخابات الرئاسية، وأخيراً ضرب التعددية عبر القرار الذي أصدرته الحكومة في فرض تغييرات على المنهج التعليمي اللبناني، وحصر الاحتلال باسرائيل، فيما السوري كان محتلاً أيضاً، وبالتالي لا يجوز أن نكيّف الوضع بحسب أهوائنا السياسية”.
واللافت أن رئيس حزب “الكتائب” تقدّم عام 2012 بإقتراح قانون لاقرار “عيد المقاومة والتحرير من الاحتلال السوري” في 26 نيسان من كل سنة، وطالب في الاقتراح “بتخصيص الحصة الأولى من اليوم الذي يسبق اليوم الواقع فيه هذا العيد في جميع المدارس والمعاهد والجامعات لشرح أهمية هذه المناسبة الوطنية”، لكن لأسباب مجهولة لم يُقرّ هذا القانون!
ويرى عقيص أن “لبنان بحاجة إلى خفض عدد الأعياد والعطل والمناسبات، ليكون مجتمعاً منتجاً، إنما بالعمق السياسي، ينكر علينا فريق الممانعة أعيادنا ومناسباتنا، وسنستمر في الاحتفال بيوم جلاء السوري عن لبنان ونعتبره مناسبة وطنية تعني الكثير للبنانيين الذين عانوا منه الأمرين”.
يُقال إن غداً يوم آخر، وهذا ما يؤمن به النائب عقيص، ويتابع: “نؤمن بأن الأمل موجود باستعادة التوازن الوطني وإلا لا معنى لكل ما نفعله، فاللحظة الدولية والاقليمية معطوفة على الصحوة الداخلية، لا بد من أن تولّد مرحلة إستقرار نستعيد عبرها عمل المؤسسات في سلطة غير فاسدة تحكم اللبنانيين وتكرّس استقلال السلطة القضائية وتنتهي بتطبيق اتفاق الطائف بكامل مندرجاته، وأهمها سحب أي سلاح غير شرعي وحصره بيد الجيش اللبناني”.


