تتصاعد المواجهات بين اسرائيل و”حزب الله” كل يوم، فزيارة وزير الخارجية الايراني بالإنابة علي باقري كني إلى لبنان معطوفة على قرار التصعيد السابق في محور الممانعة من جهة، وتهديدات الوزراء الاسرائيليين المتشددين مثل ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بإحراق لبنان وقصف بيروت من جهة أخرى، أدت إلى إلهاب الوضع الجنوبي المثير للقلق.
لكن التحليل والتنظير لم يعودا يكفيان لمعرفة حقيقة الوضع في الجنوب اللبناني وخفاياه، وحتماً لا أحد يعرف الحقائق أكثر من الجنوبيين الصامدين في قراهم الحدودية والذين يعيشون في الأرض، ويحاولون التكيّف مع الحرب مُكرهين.
هؤلاء يشعرون أحياناً بأن الشمس لن تشرق عليهم في اليوم التالي نتيجة ضراوة القصف، وتكاد مقوّمات العيش البسيطة أن تكون مفقودة في مناطقهم، إلا أنهم لم يغادروا منازلهم وأراضيهم، فالمسألة وجودية، والخوف من العدوّ الاسرائيلي يوازيه خوف من مسلحي الفصائل التي تقاتل ومعظمها من “حزب الله”، والشعور بالأمان لدى أهالي القرى هناك ليس موجوداً، لذك قرروا البقاء لحماية أرزاقهم أو على الأقل، إثبات وجودهم في ظلّ حالة من الفوضى تخيّم على الأجواء وخوف على المصير.
تواصل موقع “لبنان الكبير” مع شاهد عيان جنوبي يتنقّل بين رميش وعيتا الشعب، وهو مطلّع على الأجواء الميدانية العسكرية، ويُدرك واقع الظروف المعيشية لأهالي المنطقة، لكنه رفض الإفصاح عن إسمه حرصاً على سلامته، لأن شهادته المثيرة للإهتمام قد تعرّضه وأهله للخطر.
يعتبر شاهد العيان أن الوضع الأمني والعسكري في الجنوب تدهور على نحو لافت منذ أسبوعين، و”شعرنا بذلك من جهة الحزب الذي كثّف عملياته واطلاق الصواريخ بإتجاه شمال اسرائيل”. ويلفت إلى أن “اسرائيل لم تغيّر شيئاً منذ 8 أشهر، فهي تعتمد التصعيد وتضرب في كل مكان تتأكد فيه أن هناك وجوداً للحزب”.
واللافت أن القرى الحدودية ذات الأكثرية الشيعية التي تحتضن “الحزب”، وفق شاهد العيان، تعرّضت لدمار شديد أكثر مما نراه في الاعلام، فهي شبه محروقة بفعل القنابل الفوسفورية وتهجّر معظم سكّانها لأنها لم تعد صالحة للعيش.
ويستغرب الشاهد أنه “كلّما تعرّض أحد مواقع الحزب للقصف يهرع الصليب الأحمر والدفاع المدني لنقل الجرحى والقتلى، ويبدو أن الحزب يتكتّم في الاعلان عن حقيقة الخسائر البشرية التي يتعرّض لها!”.
وما كشفه شاهد العيان أن “القرى الحدودية لا نرى فيها مقاتلي الحزب إلا نادراً، أي يطلقون الصواريخ خلسة، ومن أماكن متفرّقة ثم يختفون، حتى أن المرء يظن للوهلة الأولى أنه سيكون من السهل للجيش الاسرائيلي أن يغزو القرى الحدودية بسبب ندرة وجود مقاتلي الحزب، لكن منطقياً اما أن عناصر الحزب متراجعون أو مختبئون في الأنفاق، وخصوصاً بعدما شهدنا استهدافاً من اسرائيل لقادة ميدانيين من الصف الخامس والرابع والثالث، وربما تذهب اسرائيل أبعد من ذلك لإستهداف الصف الثاني والأول”.
لا يخفي الشاهد “شعورنا أن القرى خالية وقد تكون اسرائيل اعتمدت سياسة الأرض المحروقة لغاية في نفس يعقوب، لكن ما يجب ذكره أن هناك وجوداً ملحوظاً ومكثّفاً لدوريات الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل في معظم القرى الحدودية”.
تلك كانت صورة واقعية صادقة عن الوضع الميداني والعسكري في القرى الحدودية، لكن الواقع العسكري شيء والواقع الاقتصادي والمعيشي شيء آخر، ويوضح الشاهد “أمضينا الأشهر الثمانية السابقة بضيقة اقتصادية كبيرة، ولا نعرف كيف صمدنا، إلا أن الكنيسة قدّمت في البداية مساعدات، والآن تتولى البلديات هذا الأمر، مع ذلك، نشعر بوجود محسوبيات واستنسابية، وفق مبدأ الغني يأكل والفقير يُهمل، وما عرفناه مؤخراً أن الصليب الأحمر الدولي خزّن آلاف الحصص الغذائية تحسّباً لضربة عسكرية اسرائيلية وشيكة وكبيرة يكثر الكلام عنها مؤخراً”.
ويؤكّد شاهد العيان أن “أعمالنا لم تتوقّف نهائياً، لكننا نجازف حتماً ونذهب أحياناً إلى الأطراف على الرغم من أن الأوضاع غير مطمئنة والتنقّلات باتت محفوفة بالمخاطر، مع ذلك تأقلمنا قدر المستطاع ونتكّل على الله أولاً وآخراً”.
ولا شك في أن شاهد العيان وكثير من المواطنين الحدوديين يستفيقون كل يوم على خبر أو تهديد، وآخرها ما وصلهم من رسائل ديبلوماسية بريطانية بأن موعد الضربة الاسرائيلية سيكون في منتصف حزيران الجاري، ولم يخفِ المواطن الجنوبي أنه وأهل بلدته تلقوا نصائح بضرورة القيام باجراءات التموين من قوات “اليونيفيل”، وربما هذا مؤشّر على إقتراب موعد توسّع الحرب ضد لبنان.


