منذ شهر، أعلن “حزب الله” عن تغيير تكتيكاته العسكرية بعدما نجحت اسرائيل في السيطرة على ساحة المعارك في الحدود اللبنانية-الاسرائيلية، وألحقت به خسائر بشرية ومادية، مستفيدة من تفوّفها العسكري التكنولوجي، وهذا لا يحتاج إلى اثباتات، فلائحة “الشهداء على طريق القدس” أصبحت طويلة، وقد أكدت وكالة “رويترز” بالأرقام أن قتلاه بلغوا ما لا يقل عن 305 حتى اليوم، فيما لم يسقط لاسرائيل سوى 18 جندياً!
أما أبرز دليل على إخفاقات “الحزب” سابقاً فهو إجباره على تغيير تكتيكاته، التي تبدو منذ شهر حتى اليوم أكثر فاعلية وخطورة وجرأة، مع ذلك لم ترتقِ إلى مستوى فاعلية آلة الحرب الاسرائيلية، وهذا بشهادة أكثرية الخبراء العسكريين الدوليين الذي يتابعون وقائع الحرب.
والثابت الأساسي في المواجهات الحدودية بين اسرائيل و”الحزب” منذ 8 تشرين الأول الفائت حتى اليوم، أنها تصاعديّة، بحيث بدأت وفق ما يُسمّى قواعد الاشتباك، ثم أصبحت الكلمة للميدان، وسرعان ما وصل الوضع إلى شفير إندلاع حرب واسعة لا تُحمد عقباها.
لهجة التهديدات المتبادلة بين المسؤولين الاسرائيليين و”الحزب” تُنذر بالويل والثبور وعظائم الأمور، إلا أنها بلا أدنى شك ليست سوى جزء من الحرب النفسيّة التي يتقنها الطرفان، فيما الدولة اللبنانية غائبة، والحكومة لا حول ولا قوة، والبرلمان معطّل، والجيش اللبناني و”اليونيفيل” مكبّلان، والشعب اللبناني هو الضحية الأكبر، لأنه يتحمّل حرباً “لا ناقة له فيها ولا جمل”، بدأها “الحزب”، ولم يكتفِ بذلك، إنما يتمادى في رفع مستوياتها وفق تعليمات إيرانية ونظرية “وحدة الساحات” التي يسوّق لها محور الممانعة.
ما نشهده اليوم من تغيير في تكتيكات “الحزب” العسكرية يضعه في خانة “النوعيّة والكميّة”، مقابل زيادة اسرائيل هجماتها في العمق اللبناني، ما جعلنا أمام معادلة جديدة في المواجهة بين الطرفين.
فما هي تكتيكات “الحزب” الجديدة؟ يجيب الباحث في شؤون الأمن والدفاع رياض قهوجي: “تقضي هذه التكتيكات باستخدام المسيّرات الانقضاضية والانتحارية على نحو أكثر فاعلية عبر استهداف قواعد اسرائيلية على الحدود، ومن الواضح أن الحزب يستخدم هذه الأسلحة في منطقة جبليّة، مستفيداً من تضاريسها لتخطي الرادارات الاسرائيلية التي تعجز عن كشف هذه المسيّرات فتستهدف أهدافاً قريبة، علماً أنها تحلّق على مرتفعات منخفضة، وبإمكانها المناورة قبل ضرب أهدافها، ولعل هذا الأمر ساعد الحزب على تحقيق نجاحات في ضرب بعض الأهداف والحاق خسائر أكبر بالجانب الاسرائيلي، إضافة إلى استخدام الصواريخ الموجّهة ضد أهداف قريبة أي بعمق 10 كيلومترات من الحدود، ويستخدم التكتيك نفسه داخل مناطق الجولان السوري أيضاً”.
وعلى الرغم من تغيير “الحزب” تكتيكاته، إلا أنه لم ينجح في ردع اسرائيل، وما نشهده يومياً يؤكّد ذلك، ويلفت قهوجي إلى أن “اسرائيل تعتمد أسلوب الردع التصعيدي، إذ عندما تُضرب بصاروخ، ترد بعشرة صواريخ، يقصف الحزب منزلاً في مستوطنة شمالية، ترد اسرائيل بتدمير قرية بكاملها، والهدف من ذلك أن تُظهر لعدوّها أنها تتمتع بأضعاف من القدرة التدميريّة، كي يتوقّف عن هجماته”.
من الواضح أن التكتيك الاسرائيلي لا يؤثّر في “الحزب”، وفق قهوجي، “فهو ينفّذ أجندة خارجية، وبالتالي لا يعنيه حجم الدمار في لبنان، ويعتمد على حكومة يمكنه الضغط عليها لصرف تعويضات، أو الاستعانة بإيران، وما يمكن تأكيده أنه يحقّق أهدافاً ضمن استراتيجية ايرانية يعتمدها محور الممانعة، لذلك يستمر في دعم حماس في غزة”.
ولا شك في أن معايير محور الممانعة للربح والخسارة مختلفة عن الشعب اللبناني وكل دول العالم، ويشير قهوجي إلى أن “مفهوم الحزب للانتصار هو الاستمرار في الحرب والحركة العسكريّة بصرف النظر عن الخسائر، ويعتبر أن قصفه عمق الأراضي الاسرائيلية انجاز كبير، والمشكلة أننا أمام تنظيم عقائدي، عابر للحدود، مبادئه وأهدافه لا علاقة لها بأهداف دولة ذات سيادة”.
لكن قهوجي يؤكّد أن “الحزب لا يردع اسرائيل حتماً، إلا أن علينا الاعتراف موضوعياً بأنه يزعجها، وقد شرحنا ما أدت إليه تكتيكاته. في المقابل، لم تهدد تكتيكاته المنظومة الجويّة الاسرائيليّة، ربما أسقط بضعة مسيّرات، لكنه حتماً لم يؤثّر على الطائرات الحربيّة المتطورة، والكلام عن ادخال الحزب صواريخ أرض-جوّ وأنها غيّرت المعادلة، هو أمر مبالغ فيه، فهذه الصواريخ موجودة في الميادين السورية منذ أعوام، ويستخدمها النظام الايراني وميليشياته للدفاع عن منشآت وقواعد الحرس الثوري الايراني هناك، والمفارقة أنه لم ينجح يوماً في إسقاط أي طائرة حربية اسرائيلية، علماً أن الطائرات الاسرائيلية لم تتوقف منذ بداية الحرب الحالية عن التحليق فوق لبنان وضرب أهداف للحزب، وبالتالي فاعلية هذه الصواريخ محدودة ومحصورة فقط بالمسيّرات على ارتفاعات معيّنة”.
من جهة أخرى، تبدو الأمور مقلقة على الحدود اللبنانية-الاسرائيلية اليوم، والتحذيرات الغربية من إمكان الانزلاق نحو حرب واسعة لم تتوقّف، ويعتبر قهوجي أن “الأسلوب الاسرائيلي أي الردع التصعيدي يتزايد كلّما زاد الحزب هجماته، وطالما أن الأخير يعتبر لبنان ساحة للمواجهة ستبقى المخاطر كبيرة”.
لكن قهوجي يستطرد: “المساعي الأميركية لا تزال تُثمر، وتمنع الانزلاق إلى حرب واسعة، وهي تعمل على نحو حثيث لوقف إطلاق النار وانهاء الحرب في غزة، لعلمها أن هذا الأمر سينعكس سريعاً على الساحة اللبنانية. إلا أن الواقع الداخلي الاسرائيلي لا يؤشّر إلى إتجاه نحو وقف اطلاق النار، وانسحاب بيني غانتس من حكومة الحرب هو بسبب شعوره أن بنيامين نتنياهو لا يريد وقف اطلاق النار وكان انسحابه للضغط عليه، لذلك نتّجه إلى مزيد من التصعيد، وقد كشفت اسرائيل منذ فترة أن نهاية عملياتها العسكرية الكبيرة في غزة ستكون في نهاية شهر حزيران الجاري، ما يزيد من توقعات أن يبدأ نتنياهو عملية عسكرية كبيرة ضد لبنان في شهر تموز المقبل، وأتمنى أن لا تصدق هذه التوقعات”.
كل الاحتمالات واردة، لكن قرار توسيع الحرب ضد لبنان، لا يمكن لنتنياهو أن يأخذه منفرداً، بل يحتاج إلى تشجيع اسرائيلي داخليّ ودعم دولي، ليس مؤكداً أنه متوافر حتى اللحظة.


