مَنْ هو الرئيس الايراني المقبل؟

عاصم عبد الرحمن

في 20 أيار 2024 أعلنت الرئاسة الايرانية مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان ومسؤولين آخرين إثر تحطم مروحيتهم العائدة من منطقة حدودية مع أذربيجان. ووفقاً لدستور البلاد تولى نائب الرئيس محمد مخبر المهام الرئاسية بالإنابة ريثما تُجرى الانتخابات الرئاسية التي حددت في 28 حزيران الحالي. بعد تقدم 80 مرشحاً للإنتخابات بينهم إمرأة وحيدة، أعلنت وزارة الداخلية لائحة المرشحين المؤهلين لخوض المعركة الانتخابية، وضمت 6 أسماء خلت من مرشحين بارزين كالرئيس السابق محمود أحمدي نجاد وعلي لاريجاني وإبراهيم همتي. ولا شك في أن الملف النووي والدور الاقليمي المتمثل بالأجنحة والعلاقة مع الولايات المتحدة، تعتبر أبرز المهمات وأكثرها تعقيداً التي سيحملها الرئيس الايراني المقبل، فمن هو المرشح الأكثر قدرة على الفوز بالرحلة الرئاسية الشاقة؟

مَنْ هم المرشحون؟

وافق مجلس صيانة الدستور – وهو أعلى هيئة تحكيم في إيران، يشرف على جميع الانتخابات ويقوّم المرشحين، وله الحق في تفسير نصوص الدستور وتحديد مدى تطابقها للشريعة الاسلامية، تجدر الاشارة إلى أنه يعتمد صحة العقيدة الاسلامية والولاء للنظام والإيمان بولاية الفقيه، كمعايير لمنح الأهلية للمرشحين – على ترشح 6 شخصيات للانتخابات الرئاسية يمكن إيجاز سيرهم الذاتية لفهم المرحلة السياسية الايرانية المقبلة، خصوصاً وأن شكوكاً أثيرت حول ملابسات وفاة رئيسي في مقابل تلميحات روَّج لها الاعلام الايراني تشير إلى اتهام الولايات المتحدة باغتياله، وفقاً للشكل الآتي:

سعيد جليلي

سياسي محافظ، يعرف بولائه الشديد لمؤسسات الجمهورية الاسلامية ومقرب من المرشد الأعلى للثورة الاسلامية علي خامنئي. ولد جليلي عام 1965 في مدينة مشهد المقدسة لدى الايرانيين والواقعة شمال شرقي البلاد. درس في جامعة العلوم والصناعة في طهران وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة الإمام صادق التي توصف بأنها مصنع نخبة المجتمع الايراني، ويتقن الانكليزية والعربية والفارسية.

وعلى أثر الحرب العراقية – الإيرانية بين عامَيْ 1980 و1988 قطع دراسته للمشاركة في الحرب وأصيب في ساقه اليمنى إصابة بالغة. ما بين العامين 1989 و1997، عيّنه الرئيس هاشمي رفسنجاني ملحقاً ديبلوماسياً في أميركا الشمالية وهو في الـ 24 من عمره، كما تولى دائرة شؤون أوروبا وأميركا في وزارة الخارجية ثم رئاسة دائرة التفتيش في الوزارة نفسها ما بين العامين 2001 و2005، وعمل لاحقاً في مكتب المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية.

في العام 2007 عُيّن جليلي نائباً لوزير الخارجية للشؤون الأوروبية والأميركية، إضافة إلى عمله أستاذاً جامعياً، كما عين أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، ومكلفاً بالمفاوضات مع الدول الكبرى حول برنامج إيران النووي. وعلى أثر فقدانه منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، عينه المرشد في أيلول 2013 عضواً في مصلحة تشخيص النظام.

مسعود بزشكيان

طبيب وسياسي إصلاحي من مواليد 29 أيلول 1954. عمل لسنوات مستشاراً لجامعة تبريز للعلوم الطبية. تولى منصب وزير الصحة بين عامَيْ 2001 و2005 في حكومة الرئيس محمد خاتمي. شغل عضوية البرلمان عن منطقة تبريز، كما تولى منصب نائب رئيس البرلمان في الفترة بين عامَيْ 2016 و2020.

يُعرف بزشكيان بأفكاره الاصلاحية وينادي بشفافية العملية السياسية وعدم فرض الإلتزام الديني بالقوة، إذ قال أثناء الاحتجاجات التي أعقبت مقتل الشابة مهسا أميني عام 2022: “هذا خطأنا، نريد تطبيق العقيدة الدينية من خلال استخدام القوة، وهذا مستحيل علمياً”.

علي رضا زاكاني

سياسي محافظ من مواليد 1965 في طهران. شغل عضوية البرلمان لأكثر من مرة. في مأمورياته البرلمانية مثَّل مدينة طهران وقم. تقدم للانتخابات الرئاسية عامَيْ 2013 و2017، لكن مجلس صيانة الدستور استبعده في كلتي الجولتين. كما كان مرشحاً للانتخابات الرئاسية عام 2021، لكنه انسحب لصالح الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي.

يشغل حالياً منصب عمدة مدينة طهران، وكذلك منصب مساعد الرئيس الايراني لشؤون إدارة الأضرار الاجتماعية في العاصمة.
مصطفى بور محمدي

ولد في 9 آذار 1960 في مدينة قم. درس الفقه والأصول في مشهد وقم وطهران. عمل مدعياً عاماً للمحكمة الثورية في بندر عباس وكرمانشاه ومشهد من العام 1979 إلى العام 1986.

تولى العديد من المناصب السامية في وزارات المخابرات والخارجية والاعلام. وفي العام 2003، شغل منصب رئيس الدائرة السياسية والاجتماعية في مكتب المرشد الأعلى علي خامنئي. عُيّن وزيراً للداخلية بين عامَيْ 2005 و2008، كما عُيّن وزيراً للعدل بين عامَيْ 2013 و2017.

أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2013، لكنه انسحب لصالح المرشح حينها منوشهر متقي.

أمير حسين قاضي زاده هاشمي

طبيب وسياسي من مواليد نيسان 1979، ينتمي إلى التيار المحافظ. شغل عضوية البرلمان عن مدينة مشهد في الدورات الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة. رئيس مؤسسة الشهداء وقدامى المحاربين. ترشح للإنتخابات الرئاسية عام 2021.

تجدر الاشارة إلى أن هاشمي عضو في ما تسمى “جبهة ثبات الثورة الاسلامية”، وكان متحدثاً باسمها عام 2021.
محمد باقر قاليباف

عسكري وسياسي بارز ولد في 23 آب 1961 في مدينة مشهد لأسرة محافظة، ويحمل شهادة الدكتوراه في الجغرافيا السياسية. انضم باكراً إلى الحرس الثوري الايراني، عُيّن رئيساً للشرطة الوطنية، كذلك قائداً للقوات الجوية في الحرس الثوري.

شغل منصب عمدة طهران بين عامَيْ 2005 و2017. انتخب نائباً عن طهران ويرأس حالياً مجلس الشورى. يعتبر قاليباف شخصية مقربة جداً من المرشد، وعلى الرغم من أنه يحسب على المحافظين، إلا أنه ينادي بالتغيير والاصلاح.

ما هي المواصفات الرئاسية؟

يبدو واضحاً أن مهمة مجلس صيانة الدستور ليست لدراسة حقوق المرشحين السياسية والمدنية المؤهلين لخوض الانتخابات الرئاسية وحسب، بل من أجل البحث عن شخصية مؤهلة لخوض معركة الجمهورية الاسلامية ضد العالم الذي تعتبره مناهضاً لمشروعها التوسعي ذي النكهة الدينية في تطلع جلي إلى ماضٍ بعيد، إلى زمن إمبراطورية فارس التي لا تزال تراود قادة إيران ومرشديها.

من هنا يأتي دور مجلس صيانة الدستور لاختيار الشخصيات الأكثر ثقة لحمل هذا المشروع السياسي التاريخي، وما تأهل 6 مرشحين من 80 تقدموا لخوض الانتخابات الرئاسية إلا دليلاً على قداسة المهمات الملقاة على عاتق الرئيس العتيد الذي يتعين عليه أن يتمتع بمواصفات تأهيلية خارقة وفق ما يرتئيها مرشد الجمهورية علي خامنئي، أبرز هذه الملفات: الملف النووي، الدور الاقليمي، العلاقة مع العالم وكذلك الولايات المتحدة والمحور الغربي، تثبيت النظام الداخلي اقتصادياً واجتماعياً خصوصاً بعدما عصفت بها الاحتجاجات المناهضة للحكومة وغيرها.

في هذا السياق، يقول الباحث في الشؤون الايرانية أحمد فاروق (مصر) لـ”لبنان الكبير”: “يتوقف التعامل مع هذه الملفات على رؤية المرشح للعالم ولإيران؛ ما بين الانفتاح على العالم الغربي والولايات المتحدة وبين الانطلاق نحو الشرق والقوى الجديدة مثل الصين والهند وروسيا وما بين التوازن بين الشرق والغرب”.

يضيف فاروق: “الأصوليون الجدد ممثلون بمحمد باقر قاليباف، لا تبدو العلاقات مع الغرب والاتفاق النووي على سلم أولوياتهم لكنهم مرتبطون في الوقت ذاته بالتوجهات العليا للنظام، فيما يبدو أن المتشددين من الأصوليين مثل سعيد جليلي يقفون على النقيض، يرفضون أي تقارب مع الغرب ويرفضون الاتفاق النووي نفسه الذي يرون أنه أضرَّ بإيران أكثر مما نفعها، أما المعتدلون والممثلون بمصطفى بور محمدي فهم يؤيدون اتفاقاً نووياً يضمن مصالح إيران ويقفون فيه داخل أطر النظام وتوجهاته، مع الاستمرار في معاداة الولايات المتحدة بوصفها السبب في الشر. أما الإصلاحيون الممثلون بمسعود بزشكيان فيرون أن الأولوية للاتفاق النووي وتحسين العلاقات مع الغرب لأنه القوى المهيمنة في العالم”.

ويختم فاروق بالقول: “إنَّ حل الكثير من مشكلات إيران يكمن في تحسين أو إصلاح علاقاتها مع هذه الدول. لكن يتعين الاشارة إلى أن المرشحين جميعهم أعلنوا عن مواصلتهم طريق حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي بمعنى منح الأولوية لدول الجوار والتوجه شرقاً، لكنهم أيضاً ستختلف أولوياتهم طبقاً لظروف الترشح والانتخاب”.

مَنْ هو المرشح الأوفر حظاً؟

ملفات عديدة ملتهبة، تنتظر الرئيس الايراني الأكثر قوة وصموداً لمتابعة السير بها في حقل ألغام الضغوط السياسية التي تواجه الجمهورية الاسلامية زادت حدتها إثر التراشق الاسرائيلي – الايراني المتبادل وإن كان مدروساً بفعل أدوات التحكم الخارجية، على الصعد المحلية والاقليمية والدولية.

ومما لا شك فيه أن أي رئيس للجمهورية في إيران لا يمكن له أن يطأ عتبة القصر الرئاسي ما لم يحظَ بالبركة الإلهية التي يمنحها آية الله المرشد علي خامنئي فهو أدرى بشعاب بلاده. إن تعدد المرشحين ما هو إلا وصفة سحرية لإعطاء الإنتخابات الرئاسية صبغتها الديموقراطية ولتأمين غطاء الشرعية الشعبية للرئيس المقبل، لا بأس طالما أنه تخطى ترشحه “مَطهَر” مجلس صيانة الدستور الخاضع أساساً لسلطات مرشد الجمهورية، على اعتبار أن ثقل المهمة الرئاسية التي ستُلقى على عاتق الرئيس المقبل يحتاج إلى كتف حديدي صلب.

في هذا السياق يقول الباحث والمتخصص في الشؤون الايرانية الدكتور خالد الحاج لـ “لبنان الكبير”: “انطلاقاً من التحديات التي تواجه إيران، بدءاً من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية إلى التحديات الاقليمية خصوصاً بعد عملية طوفان الأقصى وتزايد الحديث عن مخاوف من هجوم إسرائيلي على المنشآت الإيرانية، بالاضافة إلى التغيرات الدولية وإمكان عودة شبح الرئيس السابق دونالد ترامب إلى حكم الولايات المتحدة الأميركية، كل ذلك يدفع إلى التنبؤ بشخصية الرئيس القادم. وإذا نظرنا إلى تعيين علي شمخاني كمسؤول للمفاوضات النووية، وهو ذو أصول أيديولوجية، نرى أن هناك ارتفاعاً في حظوظ التيار المحافظ، أهمهم محمد باقر قاليباف وسعيد جليلي”.

يضيف الحاج: “في مقارنة بين الرجلين نجد أن هناك أسباباً تمنح أفضلية الفوز لقاليباف على حساب جليلي أبرزها:

الخبرة الادارية والأمنية:

لدى قاليباف سجل حافل في الادارة العامة والقيادة الأمنية، بحيث تولى مناصب مثل قائد سلاح الجو في الحرس الثوري ورئيس الشرطة الإيرانية، بالاضافة إلى كونه عمدة طهران. هذه الخبرات تمكنه من التعامل بكفاءة مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية.

القدرة على التفاوض والبراغماتية:

في ظل التحديات الاقليمية المتصاعدة بعد أحداث 7 أكتوبر وطوفان الأقصى، يحتاج الرئيس الايراني المقبل إلى مهارات تفاوضية قوية للحفاظ على مصالح إيران الاقليمية. ويتميز قاليباف بنهج براغماتي مقارنةً بجليلي، ما يجعله أكثر مرونة في التفاوض مع الأطراف المختلفة.

التوازن بين الأصولية والبراغماتية:

تعيين علي شمخاني، المعروف بتوجهاته الأيديولوجية، كمسؤول للمفاوضات النووية، يعكس سعي القيادة الايرانية إلى تحقيق توازن بين الأصولية والبراغماتية. ويمثل قاليباف المرشح المثالي لتحقيق هذا التوازن، بحيث يستطيع الحفاظ على المبادئ الأيديولوجية مع تقديم حلول واقعية وعملية.

الدعم المؤسسي:

يتمتع قاليباف بدعم قوي من الحرس الثوري والمرشد الأعلى علي خامنئي، ما يعزز قدرته على تنفيذ سياساته من دون معارضة كبيرة من الداخل. هذا الدعم المؤسسي ضروري لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية بفاعلية.

التعامل مع الولايات المتحدة:

مع احتمال عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية، تحتاج إيران إلى زعيم قادر على التعامل بذكاء مع الضغوط المتزايدة. ويمتلك قاليباف القدرة على التعامل مع السياسات الأميركية المتشددة من خلال تبني موقف حازم ولكن براغماتي في الوقت نفسه، ما قد يساعد في تخفيف التوترات والحفاظ على مصالح إيران”.

ويبقى الدور الايراني الإقليمي المتمثل بالأذرع المنتشرة في المنطقة خصوصاً في لبنان واليمن إضافةً إلى سوريا والعراق الذي لن يتبدل على اعتبار أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أوكلت إليه مهمة إدارة ملفات هذه المناطق الأربع عقب اغتيال قاسم سليماني، وبذلك تمنح السلطات الايرانية لوكلائها هامشاً شبه مطلق للتحرك في مناطقهم ولهم حرية التفاوض تحت سقف ولاية الفقيه، فهي لن تتخلى عن اكتساب حزب الله وأنصار الله الحوثيين دوراً استراتيجياً في بلديهما.

أياً كان الرئيس الايراني المقبل، فهو سيكون جندياً في ولاية الفقيه يأتمر من آية الله علي خامنئي المؤتمن على صون الجمهورية الاسلامية وتحقيق مشروعها الإلهي، يتغير التكتيك وتبقى الاستراتيجيا.

شارك المقال