كيف تصبح رئيساً؟

عاصم عبد الرحمن

قبل دخول الشغور الرئاسي عامه الثاني، وبعد مرور سنة على آخر عرض نيابي لانتخاب رئيس للجمهورية على مسرح مجلس النواب، وما بينهما من محاولات بذلتها اللجنة الخماسية إلى جانب مبادرات رئاسية قامت بها جهات عديدة كالنائب غسان سكاف وتكتل “الاعتدال الوطني” وحركة النائب جبران باسيل التي لم تقدم سوى محتوى إعلامي للتداول السياسي على وقع دعوات الرئيس نبيه بري المستمرة إلى مشاورات ذات صبغة حوارية لا تزال تلقى رفضاً من بعض القوى السياسية أبرزها “القوات اللبنانية”، من الواضح أن اللبنانيين عاجزون عن الاتفاق في ما بينهم على انهاء الشغور الرئاسي الذي بات عرفاً على أثر تكراره لأكثر من مرة، ليبقى العالم عاجزاً عن إقناع قادة الأحزاب أقله بالجلوس والتداول في ما يجمعهم. فما هي الآليات المطلوبة للقدوم بالرئيس إلى قصر بعبدا؟

يسود اعتقاد لدى معظم اللبنانيين أن أي شخصية مارونية تتعاطى الشأن العام هي مرشحة لرئاسة الجمهورية، من هنا كان بعض الموارنة يقوم بحركات لافتة كالظهور الاعلامي المتكرر، نيل بركة بكركي، تأسيس الجمعيات، ترؤس النوادي، قيادة الحركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تبني قضايا ومشاريع عامة ووطنية، ناهيك عن نسج علاقات سياسية واجتماعية مع أبرز قادة الأحزاب والكتل النيابية والزعامات المؤثرة.

أما منذ خروج الوصاية السورية عام 2005، عودة ميشال عون من المنفى، خروج سمير جعجع من السجن، أحداث 7 أيار 2008 واتفاق الدوحة، فقد تغير مفهوم الشخصية المارونية المرشحة لرئاسة الجمهورية. إذ باتت هناك حيثيات سياسية وشعبية واجتماعية وطائفية لا بد من أن يتمتع بها كل مرشح رئاسي، تبدأ بالخطاب المتشدد طائفياً وتمر بطرح حقوق المسيحيين ووجودهم في الدولة ولا تنتهي عند إثارة الجدل الداخلي والخارجي من أجل تكوين هالة سلطوية ولو على حساب المكونات اللبنانية الأخرى.

شكَّلت نهاية عهد الرئيس السابق إميل لحود المرحلة الانتقالية في تعامل اللبنانيين عموماً والمسيحيين على وجه التحديد، مع الاستحقاقات الوطنية والدستورية وتلك التي تعنيهم في الدرجة الأولى كموقع رئاسة الجمهورية الماروني. واستكملت تلك المرحلة بالتوافق على الرئيس السابق ميشال سليمان بدفع عربي وتقاطع دولي، لكن منذ لحظة تبنيه المعادلة الخشبية وإصراره على استصدار “إعلان بعبدا”، تصلبت محركات الآلية الرئاسية، وخرج كل طرف عن صمته الاحترازي ليعلن عما يختلج في صدره من رغبات رئاسية بنكهة وجودية للمشروع والطائفة والوطن.

حاول حزب “القوات اللبنانية” إرساء معادلة “رئيس صنع في لبنان” فمشى خلف ترشح الزعيم المسيحي الأقوى الذي رفع شعار حقوق المسيحيين، الجنرال ميشال عون علَّه يسدد الدين الرئاسي في الدورة اللاحقة، لكن سرعان ما تمَّ الانقلاب على اتفاق معراب لتوريث ولي عهد الجمهورية النائب جبران باسيل، إلا أن الهيكل اللبناني كاد أن يسقط فوق رؤوس اللبنانيين.

اليوم، هناك ثلاثة مرشحين يصنّفون في خانة الأقوياء هم: سمير جعجع، سليمان فرنجية وجبران باسيل، لكل منهم حيثيته الحزبية والنيابية والشعبية والأبرز المناطقية. فمن خلال زيارة بشري عرين جعجع وزغرتا ميدان فرنجية والبترون قلعة باسيل والتماس حجم البنى التحتية المتقدمة وبروز صورة الدولة الحديثة بأبهى حللها، يمكن استشراف مفهوم المرشح الرئاسي الذي يرى أن عليه بناء صرح رمزي يرتبط بشخصه ليشكل عاصمته السياسية.

يسعى المسيحيون إلى تكريس عرف انتخاب رئيس للجمهورية يكون قوياً داخل طائفته ليحكم بقوة الشعب على غرار الرئاستين الثانية والثالثة، وفي هذا تغاضٍ واضح عن رمزية رئيس الجمهورية في وحدة الوطن وفق الدستور الذي أوكل إليه مهمة المحافظة على استقلال لبنان وسلامة أراضيه.

في هذا السياق، يقول مراقب مسيحي متخصص في سوسيولوجيا النظام اللبناني لـ “لبنان الكبير”: “طبقاً لتجارب الرؤساء في الجمهورية الأولى وبعد الطائف، فإن كل من انطبقت عليه صفة الرئيس القوي انتهى عهده إلى حروب وانهيارات. وعندما نقول الرئيس القوي نعني به حصراً الرئيس الذي يحظى بتمثيل شعبي مسيحي والذي جاء بإرادة المسيحيين بدءاً من سليمان فرنجية مروراً بأمين الجميل وصولاً إلى حكومة ميشال عون العسكرية وانتهاءً بعهده”.

يضيف المراقب المسيحي: “من هنا فإن الرئيس الذي يتوافق مع طبيعة نظام لبنان وتركييته التعددية هو التوافقي الوسطي الذي يأتي لإدارة التعددية اللبنانية، لا لكي يكون ممثلاً للمسيحيين في النظام، أو أن يسعى إلى استغلال رئاسته ليبني زعامة مسيحية. بالتالي فإن أي خلل في طبيعة هذا الرئيس سيؤدي إلى خلل على مستوى عمل النظام ككل، وإذا أراد المسيحيون بالفعل هذا اللبنان بنظامه وتركيبته الحاليين فالرئيس الذي يتناسب مع هذا الواقع هو المقبول إسلامياً وعربياً، أما إذا كان المسيحيون لم يعودوا مقتنعين بهذه التركيبة فعندها يمكنهم طرح أي مرشح يقع ضمن خانة الصقور، لكن لا إمكان لمرشح كهذا في الوصول أساساً، وفي حال وصوله بطريقة ما، فسيكون آخر رئيس للبنان الذي نعرفه لأنه سيصطدم حتماً بإرادة حزب الله وربما غيره من المسلمين بما يؤدي إلى انقسام في البلاد، تماماً مثلما حصل في عهدَيْ فرنجية والجميل، وفي عهد عون الأول والثاني”.

ويتابع: “من جهة ثانية، لا يمكن للمسيحيين القبول بمرشح مفروض عليهم من حزب الله والشيعية السياسية لأنه يخالف النظام التوافقي وآلية اختيار الرؤساء الميثاقية، فالشيعية السياسية تسعى إلى تعويم مرشح طرفاً وليس توافقياً. وإذا كانت التوافقية في لبنان تفترض أن يختار المسيحيون ممثليهم في المناصب المخصصة لهم وعرضهم على المسلمين للموافقة عليهم وحسب، فإن ما تقوم به الشيعية السياسية هو عملية فرض فوقية استكبارية على المسيحيين من دون الأخذ برأيهم في موضوع هو في الأساس من حصتهم في النظام. ثم إن عملية التعطيل في النظام التوافقي هي التي يحاول فيها طرف أن يمنع وصول مرشح معين من أجل الضغط للتوافق على مرشح آخر، بينما في حالة الشيعية السياسية فهي تعطل لتفرض لا لتفاوض، وهذا يعتبر انقلاباً تاماً على مفهوم التوافقية التي تأتي بالرئيس في لبنان”.

ويختم بالقول: “إذا كان اللوبي المسيحي النيابي الذي تقاطع على جهاد أزعور لا يصر عليه بل يتمسك به لإخراج فرنجية معه والاتفاق على مرشح توافقي، فإن الثنائي الشيعي يتمسك بفرنجية إما لفرضه بالقوة وفق شعار عض الأصابع ومن يصرخ أولاً، أو وفق مقولة فرنجية أو الفراغ وليبلط المسيحيون البحر فنحن سنحكم من خلال موقع رئاسة المجلس وربط النزاع مع رئاسة الحكومة، وطالما أن الدستور معقد لناحية انتخاب الرئيس بالثلثين بينما يأتي رئيسا المجلس والحكومة بالنصف زائداً واحداً، وطالما أننا في كل مرة سنصل إلى الفراغ الرئاسي ليغدو عرفاً يمكن جعله مرتكزاً لنزع الرئاسة من المسيحيين، أي أن الشيعية السياسية تستخدم أسلوب التهديد من أجل تخيير المسيحيين بين إفراغ موقعهم المسيحي أو إيصال مرشح ماروني صوري يكون ولاؤه للثنائي. فأمام هذه المعادلة، يفضل المسيحيون الفراغ لأن اللعبة الدستورية هي دينامية متكاملة وما يعتقده الثنائي أنه يؤثر على موقع الرئاسة وحسب، فسيكتشف لاحقاً أنه يؤثر على كل دينامية الدولة المركزية التي يقبض عليها لإنعاش دويلته الخاصة واستخدام أدواتها لمنع الطوائف الأخرى من المطالبة باستقلاليتها عن دويلة حزب الله”.

لم يكن “حزب الله” على علم بعملية “طوفان الأقصى” أقله وفق ما هو معلن، لكنه كان يعلم أنه سيحكم قبضته على موقع رئاسة الجمهورية بعدما غرّه الطمع في أن هذا الموقع يمكن أن يؤول إلى محوره خصوصاً بعد انتخاب ميشال عون عقب توقيع الاتفاق النووي الايراني، كان يعلم لأنه سيبحث عما يعطل به الاستحقاق الرئاسي فأتته جبهة المساندة في الجنوب على طبق من فضة ليصرف فائض القوة الذي يزداد لديه، خصوصاً بعد سعي أميركي الى التواصل معه والتفاوض حول تنفيذ القرار 1701 لناحية ابتعاده إلى ما وراء الليطاني، وما الطلب الأميركي لممارسة مونته على “حماس” للقبول بمشروع الهدنة المطروح من الرئيس الأميركي جو بايدن إلا اعترافاً بحجم “حزب الله” والتسليم بواقع دوره المستقبلي في النظام اللبناني.

شارك المقال