قد يكون كلام الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله التهديدي لدولة قبرص مبرراً انطلاقاً من رؤية محور الممانعة، لكنه سافر ووقح بالمعايير الوطنية اللبنانية، لأنه يسمح لنفسه بتهديد الآخرين وتعكير علاقة لبنان بدول صديقة من دون صفة رسمية، بل ان تنظيمه العسكري مصنّف ارهابياً من دول أوروبية وأميركية وخليجية، لذلك بادرت الدولة القبرصية إلى إصدار بيان تؤكّد فيه أنه سيتم التعامل مع لبنانيين مرتبطين بـ”الحزب” على أنهم إرهابيون.
واللافت في هذا الموضوع أن الدولة اللبنانية الممثلة بحكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي تطمر رأسها في التراب أو “عاملة نفسها ميّتة”، لأنها فاقدة قرارها الحر، وتقف مستسلمة أمام تصرفات “الحزب” غير المبالية بمصالح لبنان، ما عدا موقف يتيم وخجول لوزير الخارجية عبد الله بو حبيب.
وحتماً عواصم القرار تعرف وضعيّة الدولة اللبنانية وتُدرك أن هذه الحكومة لا حول لها ولا قوة، ولا تتوقّع منها أي رد فعل سياديّ أو موقف يحفظ ماء الوجه.
أما موضوع تهديد نصر الله للدولة القبرصية فلا يأتي من العدم، بل له مبرراته، ويكشف صحافي أوروبي متخصص بالعلاقات الاسرائيلية-القبرصية أن “إيران عموماً والحزب خصوصاً كانا يراقبان التعاون العسكري الاسرائيلي-القبرصي منذ العام 2017، وقد شهدت المنطقة مناورات عديدة كان آخرها التدريبات في قبرص في الفترة الممتدة بين 7 و11 أيار 2023 في إطار برنامج التعاون الدفاعي الثنائي بين القوات المسلحة لجمهورية قبرص ودولة إسرائيل”.
بالنسبة إلى إيران، يبدو هذا التعاون المشترك استفزازياً بل خطر على نفوذها العسكري في البحر الأبيض المتوسّط حيث يمثّلها “حزب الله”، وفق الصحافي الأوروبي، وهو في صراع كبير اليوم مع اسرائيل، “لذلك جاء تهديد نصر الله لقبرص وقائياً لقطع الطريق أمام أي دعم قبرصي للدولة العبرية إذا توسّعت الحرب”.
ويلفت إلى أن “ايران تعلم أن قبرص هي البوابة إلى أوروبا وتشكّل قاعدة للوجود العسكري البريطاني والأميركي في المنطقة، وبعض الأساطيل الغربية موجودة بين جزيرتي مالطا وقبرص، وهما محطتان أساسيتان لتدخلهما في عمليات الشرق الأوسط، وكلام نصر الله يُعتبر رسالة إيرانية إلى واشنطن والاتحاد الأوروبي عن نيّتها بتوسيع الحرب في المنطقة، إذا بادرت اسرائيل إلى مهاجمة الحزب، وبأن الحرب قد تصبح إقليمية”.
في المقابل، لا تحتاج اسرائيل إلى أي دعم قبرصي لتنفيذ هجومها على لبنان، ولن تنقل حتى طيرانها المدني إلى المطارات القبرصية، وهي تحظى بدعم عسكري غربي وخصوصاً من الأساطيل الأميركية والأوروبية التي ستتكفّل بالحصار البحري على لبنان.
وعلى الرغم من امتعاض الدولة القبرصية من كلام نصر الله، إلا أن رئيس حكومتها نيكوس كريستودوليدس نفى أي تورط لدولته في هذه الحرب، معتبراً أنها لعبت دوراً اعترف به العالم العربي والمجتمع الدولي بأسره في فتح ممر بحري يسمح بإيصال المساعدات الانسانية من قبرص إلى غزة.
كل ذلك، لا يعني أن قبرص تتنكّر لعلاقتها الوثيقة باسرائيل، ويوضح الصحافي الأوروبي أنه “على الرغم من أن القدس ونيقوسيا أقامتا علاقات ديبلوماسية في العام 1960، إلا أنه في العام 1993 فقط افتتحت قبرص سفارة في إسرائيل، وفي العام 1994، قامت الحكومة بتعيين سفير لدى الدولة اليهودية. بالنسبة الى الاسرائيليين، لا يمكن تجاهل أهمية قبرص باعتبارها أقرب دولة غير عربية إلى أراضيها في فترة كانت تل أبيب تسعى خلالها إلى تخفيف عزلتها، ووضع نفسها بصورة أفضل في المنطقة، وتعزيز التجارة”، مذكراً بأن “اكتشاف الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط أدى إلى خلق إمكان التقارب بين قبرص واسرائيل. وارتفع حجم التجارة الثنائية من 950.7 مليون دولار عام 2014 إلى 1.33 مليار دولار عام 2022”.
ومع نمو الثقة بين نيقوسيا وتل أبيب، بدأ التعاون العملي في التطور. ويشير الصحافي الأوروبي المتخصص بالعلاقة الاسرائيلية-القبرصية إلى أن “التعاون العسكري بينهما، يسمح لقبرص بأن تزوّد إسرائيل بحقوق الهبوط على مدارجها وبالتالي الخروج إلى العالم بالاضافة إلى توفير مساحة للتدريب. وأجري عدد من التدريبات العسكرية، وقد اختار لواء الكوموندوز التابع لقوات الدفاع الاسرائيلية قبرص لإجراء أول مناورة أجنبية له عام 2017، في مناطق جبلية تشبه تلك الموجودة على طول الحدود الشمالية لاسرائيل. وبعد بضعة أشهر، تدرب الجنود الاسرائيليون والقبارصة معاً على حرب المدن والتخطيط التكتيكي في قاعدة تدريب تسيليم في جنوب إسرائيل. كما تدرّبت القوات الاسرائيلية في قبرص في مناورة تهدف إلى محاكاة الحرب ضد حزب الله. وفي عام 2022، ذهب الجانبان إلى أبعد من ذلك ووقّعا اتفاقيات تصدير دفاعية فقامت اسرائيل بتزويد الجيش القبرصي بأنظمة حمل وقائية وتكتيكية ونظام حمل تكتيكي للجنود القبارصة مزود بالإمدادات العسكرية للجنود المسلحين. ولقد وحّدت حكومتا قبرص وإسرائيل قواهما في الرد على التهديدات الارهابية. كما رحّبت نيقوسيا باتفاقات إبراهام لعام 2020 وأعربت عن استعدادها للمشاركة في مشاريع مشتركة مع أطراف الاتفاقيات”.
من هنا يُصبح كلام نصر الله أكثر وضوحاً، فهو يُصنّف قبرص كقاعدة عسكرية غربية حليفة لاسرائيل انطلاقاً من مخاوف إيران إذا توسّعت الحرب، ملمّحاً إلى أنها إذا شاركت في أي حرب مستقبلية ضد محور الممانعة، فستكون مستهدفة بصواريخ “الممانعة”. من المؤكّد أن قبرص ليست في هذا الوارد، على الرغم من علاقتها الوطيدة باسرائيل، إلا أنها تحرص على علاقتها مع لبنان أيضاً كدولة مجاورة، وليست هناك رغبة لدى حكومتها في أن تكون طرفاً في الصراع الدائر، حتى أن علاقتها مع السلطة الفلسطينية مميّزة. وفي العام 2015، قام رئيس حكومتها كريستودوليدس بزيارة اسرائيل ورام الله حيث التقى الرئيس محمود عباس، وقام الأخير برد الزيارة إلى نيقوسيا في العام 2022.
في الختام، ما لا يفهمه نصر الله أن لبنان يحتاج إلى قبرص في ظل دولتين عدائيتين طامعتين هما اسرائيل وسوريا، وغالباً ما كانت الجزيرة ملجأ للبنانيين في الحروب المتتالية، وهناك مصلحة اقتصادية ولوجيستية للبنان في المحافظة على العلاقة مع قبرص، لا تعكيرها كما يفعل نصر الله.


