الامارات… في قمم الذكاء الاصطناعي!

جورج حايك
جورج حايك

لم تصل الامارات العربية المتحدة إلى قمم الذكاء الاصطناعي في العالم العربي بالصدفة، إنما بعد عمل دؤوب ومتراكم منذ أكثر من 24 عاماً، حتى باتت تشكّل نموذجاً في التقدّم والحداثة، علماً أن هذا الأمر لم يكن ليحدث لولا قيادة الرئيس الحالي للدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وشجاعته وحكمته في آن معاً، وهو يعمل بتصميم لافت من أجل مستقبل أكثر ازدهاراً، وقد أصبحت الامارات في عهده واحة سلام تحظى بثقة الجميع والقادرة على نشر قيم التسامح والتعايش المشترك بما يخدم الانسانية وحقها في الحياة الآمنة والمستقرة.

قصة الامارات التي لا حدود لطموحها، ألهمتني وزميلي جوزف الحلبي لتأليف كتاب عن تجربتها مع الذكاء الاصطناعي، لكن النجاح والإبداع تخفق لهما القلوب وتنحني لهما العقول، وخصوصاً أن علاقة لبنان بالامارات تاريخية، وتتسم بقيم السلام والمحبة الأخوية والاحترام المتبادل.

في الواقع، لم يدفعنا شعور “الحسد” الى الكتابة عن ريادة الامارات في الثورة الصناعية الرابعة، بل تمني الخير وضرورة الإقتداء بهذا النموذج المُبدع، ونحن في لبنان كنا أيضاً من الأربعينيات حتى السبعينيات نموذجاً رائعاً من الجمال والرقي والثقافة والتجربة الحضارية، إلا أننا فقدنا تدريجاً كل شيء بفعل حروبنا على أرضنا من جهة وحروب الآخرين على أرضنا من جهة أخرى.

كتاب “الامارات… في قمم الذكاء الاصطناعي” لم يكن هدفه المقارنة بين لبنان والامارات، بل التأمّل واقعياً وعلمياً واقتصادياً ووطنياً بهذا النموذج الخلاق، بدءاً من العام 1971 حين كان الواقع الاماراتي صحراء قاسية ثم تحوّل بفضل جهود القيادة الحكيمة والرشيدة إلى جنة وارفة بل معجزة صنعها إنسان هذه الأرض، حتى أوصل أبناء الامارات إلى إكتشاف الفضاء والكون الفسيح!

والمفارقة أننا في كل زيارة نقوم بها إلى الامارات نلاحظ أن مستوى التطور لا يتوقف وإنما يزداد على جميع الصعد الاقتصادية والاجتماعية والحضارية في مراوحة ناجحة بين الأصالة والحداثة، وبين التشبث بالهوية العربية والانفتاح على العالم بكل مستجداته المعرفية والتكنولوجية، ونعتقد أن كل من يزور دولة الامارات العربية المتحدة في مناسبات عدة، يكتشف أنه كلما عاد إليها وجد نفسه أمام قفزة جديدة تؤكد أن هناك سباقاً حقيقياً نحو التميّز والنجاح المستمر.

ويغوص الكتاب في استشراف حكّام الامارات للمستقبل، إذ بدأوا بصورة مبكرة في عملية التنويع الاقتصادي، وذلك انطلاقاً من قناعتهم بأن النفط مصدر طبيعي سوف ينضب في يوم من الأيام بالتأكيد، فعملوا على تخفيف اعتماد اقتصادهم الوطني على القطاع النفطي كمصدر رئيس للدخل القومي، واستثمروا عائدات هذا القطاع في بناء اقتصاد متوازن، وقادر على النمو والازدهار من دون استنزاف للموارد.

من هذا المنطلق، أرادت خوض الثورة الصناعية الرابعة المتمثّلة في الذكاء الاصطناعي الذي يشكّل وجه الامارات الجديد. ويستعرض كتابنا نشأة الذكاء الاصطناعي عموماً، وتطوّره عبر التاريخ، وصولاً إلى إنتشار هذه الثورة التكنولوجية الحديثة في كل مكان: الهاتف الذكي، الروبوت، السيارات، المنصات الالكترونية، التطبيقات… أما القسم الأكبر من الكتاب فركّز على تطوّر استخدام الذكاء الاصطناعي في الامارات من باب الاحتراف والعلم والعمل الجدي والحوكمة الرشيدة والرؤية الواضحة والآليات المتقنة والعمليّة واستثمار هذه التكنولوجيا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، مع الأخذ في الاعتبار مخاطرها.

ولا شك في أن الامارات بدأت تجني ثمار سعيها وعملها الباكر في مجال الذكاء الاصطناعي وإنشاء مبادرات ومؤسسات متخصصة في هذا المجال، والدعم الحكومي الكبير والاستثمار، وقد نجحت في تطبيق الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، وأهمها الأعمال، الاقتصاد، المالية، العدالة، الانتاجية، البيئة، النقل، التعليم، الصحة، الأمن والمدن الذكيّة… ومن المتوقع أن تكون لهذه الثورة تأثيرات كبيرة على الامارات على المدى الطويل.

ولأن التخطيط هو أساس النجاح، وضعت دولة ااإمارات استراتيجية وطنيّة للذكاء الاصطناعي كخريطة طريق للبحث في هذا المجال عن طريق الحوكمة والاستثمار والأخلاقيات، كما تضمّن التركيز على الحوكمة والأخلاقيات في الذكاء الاصطناعي نشر النظم على نحو مسؤول وحماية حقوق الأفراد والخصوصية، إضافة إلى ذلك تستثمر الامارات في الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البحث إلى جانب التعاون مع المنظمات والمؤسسات الدولية ما يساهم في تبادل المعرفة والبحث ونقل التكنولوجيا.

يضيء الكتاب على اعتماد الامارات على التخطيط للمستقبل عبر توفيرها فرصاً كبيرة للتطورات والابتكارات والتعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي والتقدّم المحتمل في تقنياته، جنباً إلى جنب مع تركيز البلاد على تحقيق رؤية الامارات 2021 ورؤية 2071، لتفتح آفاقاً للتنوّع الاقتصادي وتحسين الخدمات الحكومية والتنمية المستدامة.

إضافة إلى ذلك تعزّز الامارات حضورها في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال التعاون والشراكات مع الدول الرائدة على الصعيد العالمي، كالاتفاقية بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية التي تشتمل على استثمارات بقيمة 1.5 مليار دولار من مايكروسوفت بالشركة الاماراتية الرائدة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي G42، كما أن النهج الاستباقي للامارات في مجال الذكاء الاصطناعي يرصد التطورات في ما يتعلق بالتطبيقات الحالية والسياسات والرؤية المستقبلية للإفادة من الذكاء الاصطناعي بوصفه دافعاً للنمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والقيادة العالمية.

وهذا ما يذكّرنا بكلام استشرافي للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي بأن “المستقبل لا يأتي إلينا، بل نحن من نستشرفه، ونشكّله، ونمسك زمام المبادرة في ابتكار تقنياته وتوظيفها؛ لتحقيق التنمية والتطور، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، لا أن نقف موقف المتفرج، بل الفاعل والمؤثر في دوران عجلة المستقبل؛ عبر السرعة والابتكار وتوظيف العلوم والتكنولوجيا في كل المجالات وتبنّي مجالات للتغيير، وبناء قدرات لأجيال شغوفة بالمعرفة واستشراف المستقبل”.

ويدخل الكتاب في تحديات الذكاء الاصطناعي في الامارات من حيث عمل سلطاتها العامة والفرعية على صعيد الولايات على تأهيل الإنسان المقيم في الامارات، سواء كان مواطناً أو من جنسيات أخرى، للتكيّف مع التغييرات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تُدرك الامارات مخاطر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي على نحو كامل، ما قد يؤثّر على توظيف العنصر البشري، ووعي الحّكام لهذه المخاطر، لا شك في أنه يجنبّها أزمة اقتصادية واجتماعية، بدأت تدهم بعض الدول المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي.

أما رؤيتي وزميلي الحلبي لرحلة الامارات مع الذكاء الاصطناعي فستتوّج بأن تصبح في طليعة الدول العربية والآسيوية المتطورة للغاية، حيث المعيشة الذكية و”المنازل الذكية”، وسيتمكّن المقيم في الامارات من الوصول إلى كل شيء في منزله (الأجهزة والآلات والمرافق، وما إلى ذلك) من خلال البلوتوث والانترنت اللاسلكي. وسيصبح فيها “إنترنت الأشياء” حقيقة واقعة. وسنشهد تداخلاً ما بين العالم الرقمي والعالم الحقيقي بشكل لم يسبق له مثيل. فمن ناحية، سوف يكون الدافع وراء ذلك آلاف الأجهزة وأجهزة الاستشعار والعلامات الجغرافية التي تربط عدداً لا يحصى من النقاط في العالم الحقيقي بالانترنت.

أردنا من خلال هذا الكتاب الصادر عن دار “سائر المشرق”، تخصيص هديّة متواضعة من لبنانيين محبين للامارات، وكانا شاهدين صادقين على نجاحات دولة صديقة تجاوزت حدود الحلم والحقيقة لتصل إلى آفاق أوسع من الخيال، وهو الأمر الذي يلحظه كل مواطن وكل مقيم وكل زائر لدولة الامارات حالياً.

شارك المقال