تتكرر التهديدات الاسرائيلية بتوسيع الحرب ضد “حزب الله” منذ 8 تشرين الأول 2023، إلا أن هذه التهديدات بقيت حبراً على ورق، لأن الواقع ليس بهذه السهولة، وربما يستخدم المسؤولون الاسرائيليون هذه اللهجة كجزء من الحرب النفسيّة، بدليل أن “حزب الله” فهم اللعبة منذ البداية، ويبدو أنه تعلّم من الاسرائيليين مستلزمات الحرب النفسية، وكلّما هدّدت اسرائيل، يبادلها بالمثل، وبالتالي الكلام “لا جمرك” عليه!
لكن هذا لا يعني أن مخاطر توسّع الحرب غير موجودة، بل ان منسوبها يرتفع كل يوم، خصوصاً أن الديبلوماسيين الغربيين الأميركيين والفرنسيين والعرب يكثّفون زياراتهم إلى لبنان واسرائيل لنزع فتيل الانفجار الكبير، لاقتناعهم بأن هناك احتمالاً لأن تتحوّل الحرب اقليمية وتجرّ معها دولاً كبيرة كالولايات المتحدة الأميركية وإيران اللتين لا تريدانها أصلاً.
ما تخاف منه الولايات المتحدة التي تلعب الدور الأساسي في نزع فتيل الانفجار كلّما شهد الميدان تصعيداً، وفق مصادر ديبلوماسية في واشنطن، “هو سوء التقدير الذي قد ينتج من زخم الاشتباكات، التي تتصاعد بثبات، بحيث أصبح كل جانب يرى أن الصراع الأكبر لا مفر منه”.
ولا تتوقّف التحذيرات الأميركية لاسرائيل من الإقدام على توسيع الحرب مع لبنان، وتلفت المصادر الديبلوماسية إلى أن هناك ثقة اسرائيلية مفرطة بأنها إذا دخلت حرباً مع “حزب الله” يمكن الخروج منها بسهولة، فيما نرى أن الجيش الاسرائيلي عانى مع “حماس” التي لا ترتقي قوتها العسكرية إلى مصاف القوة التي يتمتع بها “الحزب” الأكثر تجهيزاً، وقد حذّرنا الاسرائيليين من أنهم سيواجهون حرباً متعددة الأطراف إذا هاجموا لبنان، أكان من العراق أو سوريا أو اليمن أو حتى إيران.
ولا تقتصر المخاوف الأميركية على مواجهة أعداء اسرائيل لها في إطار محور الممانعة، وقد حذّرت الولايات المتحدة حليفتها من أن دفاعاتها الصاروخية في الشمال قد تنهار، وتشير المصادر الديبلوماسية من واشنطن إلى أن هناك خلافاً بين رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والجيش.
في المقابل، يبدو أن ايران و”الحزب” غير متحمسين للحرب، وهذا ما تؤكّده المصادر، “إلا أن اسرائيل إذا شنّت حرباً واسعة على لبنان فسيواجهانها، لذلك نرفع من مستوى مساعينا بإتجاه إنهاء الحرب في غزة لأنها قد تكون المخرج لتجنّب حرب كبيرة بين لبنان واسرائيل”.
يعاني المسؤولون الأميركيون مثل وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن والموفد الديبلوماسي آموس هوكشتاين في التفاوض مع نتنياهو، وترى المصادر الديبلوماسية أنه لا يستمع إلى إدارة جو بايدن. لقد حطم الخطوط الحمر معها هذا الأسبوع، ولكن الوضع غير قابل للاستمرار، والديبلوماسية، وليس الحرب، هي الحل، ونأمل أن يأخذ نتنياهو وحكومته كل المخاطر في الاعتبار، وربما أدرك ذلك، وهو يواجه أيضاً ضغوطاً من المتطرفين داخل حكومته، إضافة إلى مطالب سكّان اسرائيل في الشمال الذين تهجّروا من بيوتهم ويريدون حلاً دائماً لمسألة “حزب الله”.
لا شك في أن الولايات المتحدة استخدمت كل وسائل الضغط على نتنياهو كي لا يذهب في خياراته المتطرفة إلى حد النهاية، وتعتبر المصادر الديبلوماسية أن بايدن استخدم مسألة تأخير دعم اسرائيل بالسلاح لكي يمنع الحرب، إلا أنه قد لا يستطيع الاستمرار على هذا النحو في ظل الضغوط التي يمارسها الجمهوريون عليه، وقد وصل الأمر بنتنياهو الى أن هدد بايدن بأن عدم وصول حزمة السلاح والذخائر إلى اسرائيل، ترفع منسوب إندلاع الحرب على لبنان.
تعتمد الولايات المتحدة بالإتفاق مع بعض الدول الأوروبية والعربية على استمرار ارسال الشخصيات الديبلوماسية الرفيعة إلى المنطقة كلّما شعرت بتصاعد المواجهات في ميدان الجنوب اللبناني وبدت الأمور أنها ستفلت من عقالها، ويبدو أن التحرّك المقبل سيكون بالتعاون بينها وبين مصر وستعملان على منع وقوع “كارثة” بين إسرائيل ولبنان.
وكشفت المصادر الديبلوماسية أن “مسؤولين حكوميين مصريين أجروا محادثات مع نظرائهم في الولايات المتحدة لكبح التصعيد في الشمال الاسرائيلي، معتبرين أن المصريين يأخذون المسألة على محمل الجد، لأن انفجار جبهة الجنوب يعني انفجار البركان في المنطقة كلّها، وبات مؤكداً أن الأميركيين سيرسلون وفداً رفيع المستوى بصورة عاجلة للقاء مسؤولين إسرائيليين والقيام بجولة إقليمية تهدف إلى منع اندلاع الحرب. من جهة أخرى، سيتولى مدير المخابرات المصرية عباس كامل دوراً أبرز في القضية اللبنانية خلال الأيام المقبلة، وهو ما قد يؤدي إلى إرسال وفد استخباراتي مصري إلى بيروت قريباً”.
وتعترف المصادر الديبلوماسية بأن “الادارة الأميركية تتهيّب الوضع، وقد باحت للمصريين بأن المساعي التي قامت بها نجحت في الحفاظ على الجبهة لفترة طويلة بل كانت بمثابة معجزة. إلا أنها تؤكد أنها دخلت في فترة خطيرة للغاية، وخصوصاً مع اقتراب نهاية الحملة العسكرية في رفح”.
التباين بين الولايات المتحدة واسرائيل اليوم، يتمحور حول أن الأخيرة تثق بأنها قادرة على خوض حرب خاطفة ومحدودة على “حزب الله” تحسم فيها الوضع بسرعة، فيما الولايات المتحدة ترى أن العملية لن تكون مضمونة ولن تبقى محدودة، وهنا بيت القصيد!


