دخل لبنان في مرحلة خطرة مع تصاعد التوتر بين اسرائيل و”حزب الله”، وبروز معطيات عن اقتراب نهاية حرب غزة ونقل تل أبيب ألوية جيشها إلى الشمال استعداداً لخوض حرب كبيرة ضد لبنان، ويبدو أن الأسبوعين المقبلين سيكونان محفوفين بالمخاطر، بل ان وضع الجنوب اللبناني والبند المتعلق بتراجع “الحزب” 7 كيلومترات نحو نهر الليطاني، سيُحسم اما ديبلوماسياً أو عسكرياً في مدة أقصاها 15 تموز المقبل، كما ورد في المعطيات الواردة من الخارج.
من المؤكّد أن اسرائيل و”الحزب” يستخدمان الحرب النفسية، فالأولى تهدد باغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله، لكن تهديدات المسؤولين الاسرائيليين المستمرة منذ 8 تشرين الأول 2023 بالويل والثبور يُمكن وضعها في خانة الحرب النفسيّة، وربما تكاد تفقد مصداقيتها وهيبتها بسبب تكرارها، فيما “الحزب” يستخدم مسيّراته الاستكشافية لتصوير حيفا وغيرها من المناطق الاسرائيلية، كرسالة أنه قادر على الوصول إلى العمق الاسرائيلي واستهداف ما يريد، إضافة إلى النبرة العالية لنصر الله في إطلالاته مهدداً بحرب شاملة قد تُشارك فيها كل فصائل محور الممانعة.
وهنا يؤكّد الباحث في شؤون الارهاب بيار جبور أن “اسرائيل والحزب يحاولان أن يتجنّبا حرباً كبيرة، إلا أن مجريات الأحداث تُثبت أن الحرب أصبحت واقعاً لا مفرّ منه، علماً أن الولايات المتحدة الأميركية كثّفت جهودها الديبلوماسيّة منذ 8 تشرين الأول الفائت لمنع التصعيد وتوسيع الحرب، ولكن على الرغم من ذلك، يبدو أن إدارة الرئيس جو بايدن لم تنجح في لجم التصعيد وإبعاد شبح الحرب، لذلك يتدهور الوضع يوماً بعد يوم”.
ولا شك في أن المؤشرات العسكرية التي تؤشر الى قرب وقوع حرب كبيرة، وفق جبور، هي نقل الألوية العسكرية الاسرائيلية من حدود رفح إلى شمال اسرائيل، وهذا ما نعتبره تعبئة للحرب، إلا أن نقل الجنود والقطع الحربية يتطلب وقتاً، على الأقل أسبوعين. ويلفت إلى أن “الحزب يحاول أن يُحسّن ظروفه على صعيد الانتشار على الحدود اللبنانية-الاسرائيلية، على الرغم من الصعوبات التي تواجهه منذ بداية الحرب عبر التفوّق الاسرائيلي في عمليات إغتيال مسؤوليه الميدانيين”.
من الواضح أن اسرائيل تحاول أن ترسم صورة مبالغة عن وحدة “الرضوان” لتبرر حربها، ويرى جبور أن “اسرائيل تلعب على هذا الوتر منذ 8 تشرين الأول الفائت، محذّرة من سيناريو في الشمال مشابه لسيناريو حماس في غلاف غزة، لذلك تسعى واشنطن إلى إبعاد وحدة الرضوان عن الحدود، على الأقل، 7 كيلومترات، مع تفعيل دور الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل في منطقة عازلة”.
نسأل جبور: ماذا ينتظرنا خلال الأسبوعين المقبلين؟ فيجيب: “من المحتمل أن تبدأ الدول الكبرى بإجلاء رعاياها، وستزداد وتيرة هذه العمليات تبعاً للتطورات العسكرية في الجنوب. أما المفارقة اللافتة للنظر فهي مبادرة روسيا إلى دعوة رعاياها لعدم السفر إلى لبنان، وهذا ما يعكس جدية الوضع وخطورته”.
ويرسم جبور سيناريو للحرب المتوقعة، ويوضح أنها “لن تكون حرباً كلاسيكيّة، بحيث ستستهدف اسرائيل بضربات مكثّفة قدرات حزب الله الصاروخية في العمق اللبناني، علماً أنها تعرف أماكن وجودها عبر طائراتها التي لا تفارق الأجواء اللبنانية، وستسعى إلى إقامة منطقة محروقة عازلة وهذا ما بدأته في عيتا الشعب وبعض القرى الأخرى المتاخمة للحدود، وبالتالي إذا كانت لا تزال هناك صواريخ مخزّنة في هذه القرى، فهي أصبحت خارج الخدمة حتى ولو كانت في أنفاق، لأن هناك صعوبة في استعمالها”.
ويضيف: “بعد ذلك، سنشهد توغلاً برياً اسرائيلياً بالنار بعمق 7 كيلومترات، ولا بد من أن تبدأ مفاوضات جديّة في هذه المرحلة، ونتساءل هل سيُطبّق القرار 1701 معدّلاً أو سيذهب المجتمع الدولي إلى تنفيذ القرار 1559 ما دام الهجوم حصل وأصبح أمراً واقعاً؟ لكن لا بد من وضع الأمور في نصابها، فالغزو الاسرائيلي لن يكون سهلاً، بل صعب ومكلف، والمواجهات ستكون بريّة وجويّة وبحريّة، إضافة إلى عمليات كومندوس وكل الأشكال المعروفة في الحروب الحديثة، وبالنهاية ستكون معركة فاصلة وليست كحرب 2006”.
على الرغم من ارتفاع احتمال وقوع حرب واسعة، إلا أن الحل الديبلوماسي ليس مستحيلاً، ويشير جبور إلى أن “هناك تصريحاً لمساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى سابقاً دايفيد شينكر يعتبر فيه أن الديبلوماسية الأميركية قد تنجح في التوصّل إلى تفاهم على غرار ما حصل عام 1996 إثر عملية عناقيد الغضب بمسعى من وزير الخارجية السابق وارن كريستوفر، إلا أن هذا الحل قد يكون قصير الأجل لأن اسرائيل، بعد هجمات فصائل محور الممانعة وايران منذ 7 تشرين الأول الفائت، تعتمد الهجمات الاستباقية لمواجهة التهديدات المباشرة”.
ويختم: “قد تُرجئ اسرائيل هجومها على لبنان، إذا لم تستطع أن تنهي أهدافها من حرب غزة أي إنقاذ الرهائن والقبض على قيادات حماس وفي طليعتها يحيى السنوار، إلا أنها لو أرجأت الحرب ضد لبنان، فستعود بعد فترة إلى توسيعها لإنهاء الخطر الذي يشكّله حزب الله”.


