بين معراب وبكركي والفاتيكان… قضية لبنانية!

جورج حايك

لا يتوقّف بحث الثنائي الشيعي عن أي اختلاف أو تباين بين معراب وبكركي والفاتيكان، فهذا “الثالوث” الذي يملك أهدافاً واحدة هي المحافظة على الدستور وقيام دولة فعلية تسترد قرار الحرب والسلم والشراكة المسيحية-الاسلامية والمساواة الحقيقية ووجود قوى مسلّحة شرعية لها حصرّية حمل السلاح أي الجيش اللبناني، يقض مضاجع هذا الثنائي الذي يحمل مشروعاً يتناقض مع هذه الأهداف التي تصبّ في خانة واحدة هي: القضية اللبنانية!

قد يختلف أسلوب هذه المرجعيات الثلاث إلا أن الهدف واحد، ليس منذ اليوم إنما منذ بداية الحرب اللبنانية عام 1975، ومحاولة الثنائي الشيعي ووسائل اعلامه الاصطياد في المياه العكرة لن تغيّر هذه المفاهيم التي آمن بها المسيحيون، ولو وُجِدَ بعض الدخلاء في وسطهم، الذين يتاجرون بالقضية ويدعمون مشروع الثنائي المدمّر لمقوّمات الدولة.

فكرتان حاول الثنائي الشيعي وبعض المغرضين تسويقها معتقدين أنهما نالا من “القوات اللبنانية” وأمسكا عليها ممسكاً: الأولى غياب رئيس “القوات” سمير جعجع عن اللقاء الذي استضافته بكركي وكان مخصصاً لاجتماع القوى السياسية بأمين سر حاضرة دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، ومحاولة الايحاء بأن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي منزعج من غياب جعجع. وتلفت معطيات توافرت لنا من معراب الى أن العلاقة بين “القوات” وبكركي أسمى من هذه “الحرتقات”، بدليل أن جعجع كان السبّاق في الدفاع عن البطريرك عندما هاجمه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان وقد اعتبر الراعي أن مهمة رئيس الجمهورية العتيد تطبيق القرارات الدولية بحيث لا يعود لبنان منطلقاً لأعمال إرهابيّة تزعزع أمن المنطقة واستقرارها.

وتؤكد مصادر مقرّبة من معراب أن “العلاقة بينها وبين بكركي تكامليّة، لذلك حرص جعجع على ايفاد ممثل عنه هو النائب بيار بو عاصي وهو يمثّل شعبياً من خلال الأصوات التي نالها في الانتخابات النيابية أكثر من جبران باسيل وسليمان فرنجية مجتمعين. علماً أنه أصبح معروفاً أن أسباب غياب جعجع عن اللقاء أمنية بحتة، وهو لا يحضر أي لقاءات مقررة مسبقاً، وليس بوارد المجازفة حين يكون المسرح الأمني معدّاً سلفاً، والمسألة لا تحتاج إلى توضيح”.

أما الثانية فكانت الترويج بأن هناك تباعداً بين جعجع وبارولين وامتناع الأخير عن لقائه، ومحاولة الثنائي الشيعي التركيز على اختلافات بين سياسة “القوات” والفاتيكان. وتوضح المعطيات المقرّبة من معراب أن “لا صحة لكل هذه الأقاويل لأن لقاء جعجع والكاردينال بارولين تمّ بالفعل، إلا أن القوات تحترم الديبلوماسيّة السريّة التي تعتمدها الفاتيكان، وبالتالي تترك أمر إعلان ما يتعلّق باللقاء للمرجعيات الفاتيكانية، وهذا ما يعكس مصداقية العلاقة بينهما”.

ليست جديدة علاقة “القوات” بالفاتيكان كما تشير المصادر المقرّبة من معراب وتحديداً “منذ بدايات الحرب عام 1975، وتُرجمت وتظهّرت أكثر عام 1997 إثر زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان، حين كان جعجع معتقلاً في أقبية وزارة الدفاع، و”القوات” محظّرة والقادة المسيحيون مثل أمين الجميّل وميشال عون في المنفى، ويسود الإحباط المسيحي نتيجة وضع يد سوريا على لبنان، فكان السينودوس الذي أطلقه البابا آنذاك بارقة أمل للمسيحيين عموماً و”القوات” خصوصاً.

واللافت أن شعار “لبنان الرسالة” الذي أعلنه البابا خلال زيارته، تبنّته “القوات” ووافقت على مضمونه. وتعتبر المصادر أن هذا الشعار كان رسالة للمسلمين بحد ذاته، توجّه بها البابا للمسلمين أن بإمكانكم من خلال التعايش مع المسيحيين بمساواة في لبنان على مستوى السلطة أن تواجهوا فكرة “الاسلاموفوبيا”، وتقطعوا الطريق أمام من “يشيطنكم” على مستوى العالم، وهذا الكلام تقتنع به “القوات” قولاً وفعلاً.

تعترف “القوات” بأن الفاتيكان له تأثير معنوي على عواصم القرار وهو يعمل بطريقة الديبلوماسيّة السريّة ويؤمن بأنه يستطيع من خلالها الدفع بإتجاهات معيّنة حتى يصل إلى الحلول المطلوبة، ربما لا يحبّذ المسيحيون في لبنان هذه الطريقة ويفضّلون الوضوح والمواقف الصارمة والحازمة، إلا أنهم يتفهمّون النهج الفاتيكاني حتماً.

من جهته، يُدرك الفاتيكان أن وجود قوى سياسية مسيحية لبنانية أكثر من ضروري للمحافظة على الوجود المسيحي على هذه الأرض، لذلك هناك اعتراف من الكرسي الرسولي بأن دور “القوات” وبكركي أساسي ويتكامل مع سعي الفاتيكان الى المحافظة على الوجود المسيحي في لبنان.

قد تختلف المقاربات بين “القوات” والفاتيكان بالشكل أحياناً، إلا أن الهمّ واحد وما يجمع بينهما هو “القضية اللبنانية” واستمرار التعايش الاسلامي-المسيحي على قاعدة المساواة.

طبعاً الهواجس كثيرة وما استنتجته “القوات” من زيارة بارولين أن الفاتيكان مطّلع على نحو دقيق على الوضع اللبناني، وهناك حرص شديد على الدولة اللبنانية وضرورة ضخّ الحياة فيها كما تفعل اللجنة الخماسيّة وكل الدول الحريصة على الوضعية اللبنانية.

شارك المقال