مسلمو لبنان… وحدنا في هذا العالم!

أنطوني جعجع

مع تزايد الكلام على هدنة في غزة باركها “حزب الله” سريعاً، سألته هل أنت المسلم الوحيد في هذا العالم الواسع؟ أجاب شريكي المسلم في لبنان: طبعاً لا. ثم سألته هل أنت العربي الوحيد في هذه الأمة الشاسعة؟ أجاب: طبعاً لا، لكن لماذا تسألني وأنت شريكي في هذا الوطن منذ أصبح لنا تاريخ مشترك؟

قلت: أسألك لأني أراك المسلم الوحيد والعربي الوحيد الذي يدفع ثمن فلسطين والقضايا القومية العربية والاسلامية من دون أن تلقى في المقابل مسلماً غير لبناني أو عربياً غير لبناني يهب لنصرتك أو لنجدتك عندما يشتد عليك الخناق وتضيق بك الدنيا تماماً كما حدث في السابق ويحدث في جنوب لبنان الآن، ولأنني لا أرى أحداً سواك يُقتل ويهَّجر من أجل غزة، ولا أرى بيتاً لسواك يدمر من أجل “حماس” أو يحيى السنوار في أي من دول الجوار بدءاً من سوريا الى الأردن وصولاً الى مصر.

نظر الي الرجل نظرة غريبة وقال: من قال لك انني لا أطرح على نفسي هذا السؤال ألف مرة في اليوم الواحد؟ ومن قال ان هذه الأحادية في حب فلسطين لا تصيبني بالاحباط والخيبة؟ ومن قال انني لا أشعر مرات بالندم وعقدة الذنب عندما أتذكر معارك خضتها من أجل العرب والمسلمين ولم تؤت لنا الثمار المرجوة؟

وسكت صديقي قليلاً وتابع: أعرف أن لبنان ذهب الى حروب عدة كثيرة بدافع من مسلميه وأن المسيحيين فيه دفعوا أثماناً باهظة بدءاً من فورات القومية العربية زمن جمال عبد الناصر، مروراً بالثورة الفلسطينية وبعدها بطموحات “البعث” السوري وآل الأسد وصولاً الى الثورة الاسلامية الايرانية التي يبدو أنها تقترب من مواجهة مباشرة مع الغالبية المسيحية في لبنان وغير مباشرة مع سنة الاعتدال والعروبة.

وهنا قاطعته قائلاً: وهل كتب على المسيحيين أن يتولوا في معظم الأحيان مهام التصدي لأي جسم غير لبناني يتغلغل في كيان لبنان وينتهك سيادته واستقلاله ودستوره ونظام عيشه؟

قال: لنتفق يا صديقي على أننا ساهمنا معاً في تدمير هذا البلد، أنتم من فرط ما تمسكتم به على علاته، ونحن من فرط من تعلقنا بفلسطين على هفواتها، فلا أنتم حاولتم أن تكونوا عرباً بصدق ولا نحن حاولنا أن نكون لبنانيين بحماسة.

وأضاف: لقد توزعنا بين شعبين، شعب نصّب نفسه وصياً على هذه البلاد وشعب نصّب نفسه شريكاً في أي قضية تعني العرب أو تعني المسلمين، فلا أنتم نجحتم في جعلنا لبنانيين محض ولا نحن نجحنا في جعلكم عرباً محض.

وهنا قاطعته قائلاً: وما العمل اذاً؟ ها هو لبنان يكاد يمشي في جنازته وحيداً بلا سيادة ولا استقلال ولا سلام ولا ازدهار ولا حتى مستقبل مضمون… أنا عاجز عن تغيير المعادلات وأنت لا تستطيع الا أن تكون الى جانب أخيك العربي والمسلم في غزة سواء كان عربياً من أنصار الفرس أو مسلماً من جماعة “الاخوان”.

أجاب: نعم، هذه هي حالي، أعرف أن ما يفعله “حزب الله” في الجنوب يشبه الانتحار، وأعرف أنه لم ينفع غزة بشيء يذكر، لكنني في الوقت عينه، أنا الذي أقاتل من أجل فلسطين منذ سبعين عاماً، لن أقبل بسقوط ما تبقى منها في قبضة إسرائيل ولا أطيق أن أشهد على أي هزيمة أو مجزرة عربية جديدة.

وهنا سألته: وهل تقبل أن تسقط غزة في قبضة “الاخوان المسلمين”، وهم لا يشبهونك بشيء أو أن يسقط لبنان في قبضة ولاية الفقيه، وهي أيضاً ليست من بيئتك؟

أجاب شريكي المسلم: أعرف أن الوضع شائك ومعقد، وأنه مجموعة من العقد المترابطة، وأعرف أننا دفعنا أثماناً من لحمنا ودمنا لم تدفعها حتى جيوش نظامية عربية، لكنني رغم كل شيء لا أستطيع منذ طغت عروبتي على أي شيء آخر وعقيدتي على أي أمر آخر، الا أن أكون مسلماً أولاً وأخيراً.. انه ديني الذي أنتمي اليه ولا نية لي للخروج عليه وانه جذوري التي أتمسك بها ولا نية لي لاختيار سواها.

وهنا أجبته: ماذا كنا نفعل معاً في السنوات المئة الأخيرة.. هل كنا حقاً في بلد واحد وتحت سماء واحدة، أنت أسير ايمانك وأنا أسير ايمان آخر الى الحد الذي فقدنا معهما الايمان بانتماء وطني واحد؟

قال: بلى لقد كنا كذلك كشعب، لكننا لم نكن كذلك كلبنانيين، اذ تعامل بعضنا مع لبنان وكأنه متأصل فيه وتعامل معه بعضنا الآخر وكأنه دخيل فيه، وفي معنى آخر، كنا ننظر اليكم كمسيحيين فقط وكنتم تنظرون الينا كمسلمين فقط وليس أبداً كمواطنين صالحين وحقيقيين.

وهنا توقفنا عن الكلام، فلا هو تراجع عن عروبته الشاملة ولا أنا تراجعت عن لبنانيتي الحصرية، ومضينا الى بيئتنا، هو لا يريد أن يصدق أنه آخر هموم العرب والمسلمين وأنا لا أريد أن أعترف بأننا آخر هموم الغرب والفاتيكان، فيما كانت اسرائيل تزمجر فوق رؤوسنا وتهدد باعادتنا الى عصر لسنا منه، أي العصر الحجري، وفيما كانت ايران تزجرنا وتهدد باعادتنا الى عصر آخر لا نريده أي عصر حطين وعاشوراء.

شارك المقال