أقسى ما يتمناه “حزب الله” وكل من يدور في فلكه أن تعود “القوات اللبنانية” إلى السلاح والتدريب ومنطق الحرب، فهو يستمد وجوده واستمراريته من كل العوامل الخارجة عن مفهوم الدولة، وهذا ما تدركه “القوات” منذ تخليها عن سلاحها وهيكليتها العسكرية. هذه الإشكالية لا تأتي من العدم، إنما بعد سلسلة اتهامات ملفّقة من فريق الممانعة لـ”القوات” بدأت منذ العام 2008 وحتى اليوم، تخفَت حيناً وتعود بقوة أحياناً، على لسان مسؤولي “الحزب” والاعلاميين التابعين له وكان آخرها أمس عبر مقال “مزوّر” بعنوان Lebanese Mercenaries Defending Israel نشرته حسابات خاصة تابعة للجيش الالكتروني لـ”الحزب” على مواقع التواصل الاجتماعي، علماً أن المقال نُسِبَ إلى موقع Middle East Monitor، وبقلم صحافية تُدعى سميرة حديد.
حتماً هذه المحاولة ساذجة ومكشوفة من “الحزب” ويُمكن بسهولة دحضها وكشف زيفها وبأنها أعدّت في الغرف السوداء للنيل من “القوات”، كما حصل سابقاً وفَشِلَ “الحزب” في تلطيخ سمعتها بما يفعله ويرتكبه بحق لبنان.
وفي عملية استقصائية بسيطة، اتصلنا برئيس تحرير الموقع المذكور ونفى نشر مثل هذا المقال في موقعه، إضافة إلى أن لا وجود لصحافية إسمها سميرة حديد، والمضمون الذي ورد في المقال مثير للسخرية، وادّعى أنه اعتمد على تقرير للمدوّن الاسرائيلي الشهير بوسي غورفيتز الذي كشف عن مشاركة مجموعة من المقاتلين اللبنانيين المعارضين لـ”حزب الله” في الصراع في غزة لصالح اسرائيل، مضيفاً أن هؤلاء المرتزقة، المرتبطين سابقاً بحزب “القوات اللبنانية” اليميني، قُتِلَ منهم 28 وفُقِدَ 13 آخرون. ويعتقد أن بعض الجثث تعود إلى لبنان عبر قبرص كضحايا لحوادث سيارات أو لأسباب طبيّة. واعتبر المقال “أن التقرير، الذي أزيل بسرعة بعد نشره، أثار شكوكاً حول الرقابة نظراً الى حساسية المعلومات!”.
وربما لو كانت إدارة الجيش الالكتروني في “الحزب” أكثر ذكاء، لكانت تجنّبت الوقوع في الفخ عبر تمويه اسم الموقع الالكتروني، وطريقة نشره في مواقع التواصل، سواء عبر “الواتساب” أو “اكس”، مع تلفيقات متشابهة وجاهزة غبّ الطلب.
على كل حال، هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها فريق الممانعة شيطنة “القوات” وإلباسها الزيّ العسكري وإلصاق اتهامات ملفّقة ومزوّرة، فإذا عدنا إلى العام 2010 أطل نائب الأمين العام لـ”الحزب” نعيم قاسم وإتّهم “القوات” بأنها تشتري السلاح وتتدرّب، وبعدها روّجت أخبار بأن الأردن فتح معسكرات تدريب لـ”القوات” فيه، واستمر اجترار هذه المعلومات الملفّقة حتى العام الفائت، عندما كرر الاعلامي “الممانع” فادي بودية هذا الاتهام وتوسع بالتفاصيل قائلاً: “ان القوات فتحت تسعة معسكرات تدريبية في بعض المناطق اللبنانية وأرسلت عناصر الى الأردن لتدريبهم على يد ضباط أردنيين وبريطانيين…”. وكان من الطبيعي أن تقوم “القوات” بملاحقة بودية قانونياً لأن هذه الاتهامات لا صحة لها و”القوات” حلّت هيكليتها العسكرية وسلّمت سلاحها إلى الدولة منذ العام 1990، فيما استثني “الحزب” من ذلك بحجة “مقاومة” اسرائيل، بغطاء من النظام السوري، وعلى الرغم من انسحاب اسرائيل من الأراضي اللبنانية عام 2000، لا يزال متمسكاً بسلاحه وقد استخدمه مرات عدة في الداخل اللبناني: 7 أيار 2008 في بيروت والجبل، خلدة، عين الرمانة والكحالة…
أمام كل ما تقدّم، لفت مصدر في “القوات” إلى أن “الحزب أصبح في موقع حرج، والمبررات للاحتفاظ بسلاحه أصبحت واهية، وهو يشعر بالضغط الداخلي عليه وخصوصاً من المعارضة والقوات، لذلك يقوم منطقه اليوم على فكرة أن القوى السياسية اللبنانية الأخرى مسلّحة مثله تماماً، وذلك من أجل تبرير سلاحه، وهذا حتماً أمر غير صحيح”، مشيراً إلى أن “التسلّح الفردي قد يكون موجوداً لدى كل اللبنانيين، وهذا بدافع حماية المقرات الحزبية وبعض الشخصيات السياسية من نواب ووزراء، وينطبق ذلك على كل الأحزاب ومنها القوات”.
وطرح مصدر “القوات” بدوره تساؤلات عن “الحزب” الذي يُجاهر بإمتلاكه 100 ألف مسلّح و150 ألف صاروخ ويُقرر السلم والحرب بالنيابة عن كل اللبنانيين، ويستطرد: “هنا الخطر الحقيقي، وما اختراعه للتلفيقات حول تسلّح القوات سوى حرف للأنظار عن سلاحه ومشروعه المدمّر للدولة، وما نبشه لملفات الحرب سوى حرف الأنظار عن دوره وصورته وما يقوم به على هذا المستوى، وخصوصاً عندما يتّهم أحزاباً مثل القوات والكتائب والأحرار كونها شاركت في الحرب عندما انهارت الدولة وشعرت بوجود خطر على مجتمعها، ففعلت ما فعلته. أما اليوم فقد أكّدت هذه الأحزاب تمسّكها بمشروع الدولة والجيش اللبناني وهي مؤمنة بقدراته”.
من جهة أخرى، أوضح المصدر أن القوى السياسية السيادية إبنة مجتمعها، فإذا شعرت بأي خطر تهبّ للدفاع عن قراها وكرامتها وعنفوانها، وخصوصاً عندما ترى سلاحاً غير شرعي موجّهاً إلى صدورها، لكن سلاح “الحزب” شيء والسلاح الفردي لدى أنصار بعض الأحزاب شيء آخر، علماً أن هذا الأمر من طبيعة المجتمع اللبناني تاريخياً وليس مستحدثاً، فالأجداد غالباً ما اقتنوا سلاحاً فردياً للدفاع عن النفس”.
وأشار المصدر الى أن “الحزب هو الوحيد الذي يتسلّح ويتدرب منذ الثمانينيات حتى اليوم، بل أكثر من ذلك، يخرج للقتال في سوريا ويدرّب المجموعات الحوثيّة في اليمن ويمتلك ترسانة من الصواريخ الاستراتيجيّة، وهذا لا يُقارن بالسلاح الفردي”.
بالفعل، يحاول “الحزب” أن يقول من خلال كيل الاتهامات المزوّرة لـ”القوات” والايحاء بصورة عسكريّة لها ولغيرها، بأن الدولة شكليّة والتنظيمات العسكرية تنتشر في كل الأراضي اللبنانية ومنها “القوات”، وأكّد المصدر في “القوات” أن هذه الصورة غير صحيحة ومرفوضة أساساً، لأن “القوات” تؤمن بأن المواجهة سياسية وهذا هو منطقها الوحيد، وهي مؤمنة بقدرات الجيش الذي أثبت جهوزيته لحماية البلد في مناسبات عديدة، وتؤمن بمشروع الدولة، ولن تسمح لـ”الحزب” بتكريس صورة الأمن الذاتي في الأحزاب الأخرى لتغطية مشروعه، وهو سيبقى تنظيماً مسلّحاً غير شرعي، يتلقّى المساعدات المالية وشحنات من الأسلحة من الخارج وله امتداد في كل المنطقة وبالتالي هذا الوضع غير مقبول.
وختاماً، لو كانت الأجهزة الأمنية تشك ولو واحد في المئة بأن “القوات” و”الكتائب” و”الأحرار” تنظّم معسكرات تدريب وتتسلّح، لقامت بواجبها من دون أي قرار سياسي، إلا أن فبركات فريق الممانعة لم تعد تمرّ على أحد.


