ليس سراً أن أي اجتياح عسكري اسرائيلي لجنوب لبنان لن يكون مهمة سريعة ذات كلفة معقولة، على غرار ما جرى في العام ١٩٨٢ في مواجهة الفصائل الفلسطينية و”الوطنية”، وهو أمر تعرفه اسرائيل جيداً وتحسب له ألف حساب، ويؤمن به “حزب الله” جيداً ويرمي عليه ألف رهان.
هذا ما يجمع عليه المراقبون العسكريون في غير مكان، مع فارق وحيد يتمثل في أن “حزب الله” واثق من أن مهمة اسرائيل هذه المرة لن تمر، في حين تبدو اسرائيل واثقة من أن حسن نصر الله لن يرفع اصبع النصر كما فعل في حرب العام ١٩٨٢.
والسؤال هنا لماذا تبدو أي حرب مقبلة بين الفريقين مختلفة عن كل الحروب السابقة؟ الجواب سهل الى حد معقول، ويتمثل في أن أي اخفاق اسرائيلي في جنوب لبنان سيجعل وجود الدولة العبرية على المحك، وأن أي اخفاق ممانع جديد، بعد اخفاق “حماس” في غزة، سيجعل وجود ايران نفسها على المحك.
والواقع، أن “حزب الله” وايران يعرفان أن اسرائيل تملك اليد الطولى في غزة، وأن عليهما الايعاز الى حركة “حماس” باللجوء الى واحد من خيارين: اما تسليم الرهائن الاسرائيليين سعياً الى كسب بعض الوقت والتقاط الأنفاس وهو أمر يبدو وارداً حتى الآن، واما الموت مع الرهائن في انتحار جماعي، وهو أمر لا يبدو مطروحاً في خيارات طهران، لأن مثل هذا الأمر سيعني حكماً سحب البندقية الفلسطينية نهائياً من يدها، وكذلك من عالم الصراع المسلح بين الفلسطينيين واسرائيل.
والواقع أيضاً أن محور الممانعة، يعرف في سره أن غزة ساقطة عسكرياً على الرغم من بعض الصمود الذي تبديه على تقطع، وأن “حماس” تتهالك للحصول على أي هدنة، للانطلاق منها نحو هدفين: أولاً حجز مقعد في أي مفاوضات أو تسوية تتعلق بمستقبل القطاع، وثانياً حماية قادتها أو من تبقى منهم، من عمليات الاغتيال، وتحديداً يحيى السنوار الذي يعرف على الأرجح أن اسرائيل تمكنت من قتل شريكه في “طوفان الأقصى” محمد الضيف الذي لم يظهر على الملأ حتى الآن على الأقل لا صوتاً ولا صورة لدحض ما يتردد عن مقتله في منطقة المواصي قبل أيام.
وتكشف مصادر قريبة من محور الممانعة أن حسن نصر الله تلقى بدوره معلومات من “حماس” تؤكد مقتل الضيف، مشيرة الى أن اللهجة العالية التي أطل بها في ذكرى عاشوراء، انما تعكس منسوب القلق الذي يعانيه “حزب الله” بعد عشرة أشهر من مواجهات دامية، لم تنجح في ابقاء “حماس” في مواقعها في غزة، ولا في حماية قادتها، ولا في تحويل القطاع الى مقبرة للاسرائيليين، ولا في الاحتفاظ بالقوة الصاروخية التي أرعبت الاسرائيليين وأرهقتهم في الأسابيع الأولى من الحرب، ولا في حشد رأي عام دولي وعربي يتجاوز البيانات الروتينية وأحكاماً من المحكمة الجنائية الدولية في حق اسرائيل تشبه في مفاعيلها الأحكام التي صدرت من محكمة العدل الدولية في لاهاي في حق “حزب الله”.
وتضيف المصادر، في تحليل يتماهى مع تحليلات خبراء استراتيجيين في لبنان والمنطقة، أن كل الأجواء تقدم خيار الحرب على أي خيار آخر، وذلك لسببين جوهريين: الأول أن ايران لا تستطيع أن تتحمل اخفاقين دفعة واحدة، الأول في غزة والثاني في لبنان من خلال إبعاد “حزب الله” الى شمال الليطاني الأمر الذي يجعلها في حاجة شديدة الى أي نصر معنوي بأي ثمن، والثاني أن اسرائيل تخطط للحصول على واقع آمن “يمتد لأجيال” حسب ما قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وذلك من خلال حرب طاحنة تنتهي اما بغالب ومغلوب واما ببركان خامد الى الأبد في حال لم ينتهِ الأمر الى اتفاق سلام نهائي.
وما رفع احتمالات الحرب، الى جانب ما يدور في كواليس اسرائيل، ما يتردد عن تورط ايراني في محاولة اغتيال الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وهو ما يشبه لدى الرأي العام الأميركي ما أصاب البرجين التجاريين في نيوريورك، اضافة الى أمر آخر قيد الاعداد، وهو تشكيل فريق متطرف في واشنطن بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية يقوم على ترامب رئيساً وجاي دي فانس نائباً للرئيس ومعاونين مما يعرف بـ “المسيحيين الجدد” يلتقي مع فريق متطرف في اسرائيل يقوم على نتنياهو قائداً ووزراء يمينيين، تماماً كالفريق الأميركي – الاسرائيلي الذي تشكل في عهد رونالد ريغن في واشنطن ومناحم بيغن في تل أبيب وسبق اجتياح لبنان في العام ١٩٨٢.
وسط هذا الجو القاتم الذي يجعل كل فريق في حاجة الى أي انتصار بأي ثمن، لا يبدو أن الحرب المقبلة، اذا أقبلت، ستكون حرب دبابات يهدد حسن نصر الله بابادتها، بل حرب عالمية تقوم في القسم الأكبر منها على تقنيات حديثة تستخدم للمرة الأولى، وتشارك فيها أميركا وبريطانيا وتباركها سراً دول عربية واسلامية، على أن تمتد من لبنان الى اليمن وتعرج على ايران ودول المحور لتنتهي، وفق استراتيجيين غربيين بواقع يسحب ايران من دائرة الدول المزعجة والمفخخة، للانصراف الى فلاديمير بوتين في أوكرانيا وتحالفه المقلق مع كوريا الشمالية، اضافة الى بكين التي تتربص بجزيرة تايوان وتحاول الهيمنة على بحر الصين.
انها في نظر الأميركيين والغرب تراكمات التراخي التي نتجت عن سياسات الرئيس جو بايدن، والواقع الدولي الجديد الذي يجب أن يتخذ شكل “الجرافة” التي تأخذ الرئيس العجوز في طريقها، تمهيداً لحكم جديد في البيت الأبيض قد يأخذ العالم الى واحد من خيارين، اما نحو حرب عالمية ثالثة واما نحو عالم متوازن أكثر أمناً وأماناً.
من هنا يمكن فهم بيانات التحذير التي تصدر من ايران كلما اقتربت النار من “حزب الله”، فهي تعرف تماماً أنها تستطيع التنازل في أي محور من محاور الممانعة باستثناء محور لبنان، مؤكدة في كواليسها أن مستقبل “الثورة الاسلامية” بات في عهدة حسن نصر الله لا الامام الخامنئي ولا “الحرس الثوري” ولا أي رئيس ايراني متطرف أو معتدل، وهو ما يتفق عليه ديبلوماسي عربي مخضرم عندما قال: “لقد انتقل العالم من النظرية التي توصي بضرب ايران كي يهدأ حزب الله الى نظرية ضرب حزب الله كي تهدأ ايران”.


