بعد اغتيال اسرائيل للمسؤول في “حماس” محمد الضيف والمسؤول في “حزب الله” فؤاد شكر ورئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” اسماعيل هنيّة في قلب طهران، بدا وكأن محور الممانعة تلقى صفعات مدوية، لا يُمكن فهمها إلا أنها دعوة استفزازية من اسرائيل إلى حرب واسعة، وهذا الخيار يرضي حكومة الحرب برئاسة بنيامين نتنياهو ووزراءه المتشددين ويؤمّن استمراريتهم، وبالتالي أخذت المواجهة في المنطقة أبعاداً مختلفة، قد تؤدي إلى الخروج عن الضوابط الأميركية التي وضعتها منذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول 2023.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل لا تزال اللعبة ممسوكة أميركياً أو تمكّن نتنياهو من خلال عمليات اغتيال نوعيّة من إخراج إيران ومحورها عن طوعه؟ وهل تستطيع إيران إحدى وكلاء الولايات المتحدة في المنطقة الخروج عن سيناريوات الادارة الأميركية التي تُحدد حجم الرد وزمانه ومكانه إذا كان لا بد منه لحفظ ماء الوجه؟
يُقال ان الحروب الكبيرة تبدأ بأخطاء، وربما هذا ما ينتظره نتنياهو من خلال عمليات اغتيال لقادة محور الممانعة، تؤدي إلى استفزاز إيران ومحورها، لتقوم برد فعل غير محسوب “أميركياً”، يعطي اسرائيل مشروعيّة للإنقضاض على عدوّتها ايران وضرب منشآتها النووية واستدراج الولايات المتحدة إلى مثل هذه المواجهة لأنها لا يُمكنها ترك حليفتها اسرائيل منفردة في مواجهة محور متعدد الأطراف، وخصوصاً أن الولايات المتحدة، تعتبر اسرائيل، حتى لو اختلفت معها في المقاربات، حليفة استراتيجية في المنطقة لا يُمكن التخلي عنها.
في هذا الاطار، يعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي العميد خالد حمادة أن “حرب غزة أيقظت مخاوف كبيرة لدى الولايات المتحدة حول مستقبل اسرائيل، وبالتالي قد تكون بدأت بإعادة النظر في كل الشراكات التي نسجتها سواء مع ايران أو مع الميليشيات المذهبية الأخرى التي إستخدمت في العراق وسوريا، وربما بدأت بوضع استراتيجية جديدة”.
لا يُمكن لإسرائيل أن تتصرّف في المنطقة على مستوى اغتيالات بهذا الحجم من دون علم أميركي، ويلفت حمادة إلى أن “قراءة الرسالة من هذه الاغتيالات تعكس رغبة اسرائيلية وأميركية في دعوة طهران إلى منازلة، ولا أظن أنها منازلة لإستعراض قوة بل هي منازلة لإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة، وليس مستبعداً أن تكون إعادة نظر في الشراكة الأميركية-الايرانية في ما يتعلّق بأمن اسرائيل واستخدام الميليشيات المسلّحة هنا وهناك ضد حكومات دولها، ولا بد من الاعتراف بأن الولايات المتحدة كانت تعتقد أن تقوية هذه الميليشيات ونشر المزيد من الفوضى والاعتداء على سيادات الدول وكسر مؤسساتها الدستورية أو تهميشها، قد تفضي إلى حالة من الضعف وعدم الاستقرار، فتُصبح المنطقة ملائمة لتستقر اسرائيل وتتفوق على كل الدول المحيطة بها”.
ويضيف: “يبدو أن هناك إعادة نظر في هذه الاستراتيجية لأنها لم تؤد إلى الغرض منها، وستعود واشنطن في المرحلة المقبلة إلى استراتيجية الاتفاق والتنسيق مع الحكومات الدستورية بدلاً من تحفيز دول كإيران والنظام السوري والميليشيات المتطرفة في العراق وغيرها للإنقضاض على السيادات الوطنيّة”.
الآن أصبح كل محور الممانعة من بيروت إلى طهران في المواجهة على نحو متساوٍ، بدليل أن الاغتيالات الاسرائيلية طالت مسؤولين موزّعين في دول هذا المحور، وفق العميد حمادة، قائلاً: “بعيداً عن موضوع توسيع الحرب أو عدمه، تحمل الاغتيالات الأخيرة سؤالاً للنظام الايراني: هل لا يزال متمسكاً بالشراكة والدور الذي أعطته له واشنطن أو يريد منازلة مفتوحة مع اسرائيل؟ والسؤال الثاني: هناك شروط جديدة للعبة، هل النظام الايراني مستعد للتضحية بمحمد الضيف وفؤاد شكر واسماعيل هنيّة، والإبقاء على التوكيل الأميركي ولو بشروط أصعب لمصلحة اسرائيل والولايات المتحدة؟ هنا المسألة اليوم”.
من الواضح أن إيران متمسّكة بهذه الشراكة، وستبحث اليوم عن ردّ عسكري مشابه للهجوم على اسرائيل منذ شهرين بـ300 مسيّرة وصاروخ تمّ اسقاطها في الجوّ، بحيث تحافظ طهران على صورتها وهيبتها من دون أن تتأذى اسرائيل، ويرى حمادة أن “ايران تفضّل دائماً أن تكون ذراعاً أميركية لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، لكن لنر إذا كانت أميركا الدولة العميقة تريد الاستمرار في هذه الشراكة”.
من جهة أخرى، لا يُمكن أن يكون ردّ “حزب الله” على اغتيال شكر إلا مدروساً ومضبوطاً مهما علت النبرة وكثرت التهديدات، وأي خطأ يرتكبه، سيضع النظام الايراني أمام خيارين: تركه في حرب بمواجهة اسرائيل أو الانخراط معه في المعركة ودفع فاتورة اضعاف نظامه بحيث يكون عرضة لهجوم أميركي-اسرائيلي.
في هذا السياق، يعتبر حمادة أن من يظن بأن الصراع بين اسرائيل و”الحزب” سينتهي مع انتهاء حرب غزة يكون واهماً، وكل المواقف والتحليلات في هذا الاطار مغلوطة وغير دقيقة.
في المقابل، تشير مصادر صحافية أميركية مطلّعة إلى أن المنطقة بعد اغتيال هنيّة هي غير ما قبلها، لقد انقلبت الأمور رأساً على عقب وخصوصاً أن هنية تم اغتياله في طهران وتحت نظر النظام الايراني، وتكشف أن الرد قد يكون هجوماً صاروخياً أو بطائرة من دون طيار من إيران كما رأينا قبل بضعة أشهر. وقد تكون عبر ضرب أهداف إسرائيلية في الخارج!
أما بالنسبة إلى “الحزب” فهو كان واضحاً بإعلانه عن معادلة “استهداف تل أبيب إذا تم قصف بيروت”. وترى المصادر الصحافية الأميركية أن من المحتمل أن يكون الرد وابلاً من الصواريخ يستهدف مقراً رسمياً حكومياً في تل أبيب، يلاقي وابلاً من الصواريخ والمسيّرات من طهران واليمن في الوقت نفسه.
وهناك رأي موحّد في الصحافة الأميركية أن إيران لن تخوض حرباً بسبب اغتيال هنيّة، بدليل أنها لم تفعل ذلك بعد مقتل قاسم سليماني الذي يعتبر أكثر أهمية لإيران من هنيّة.
من الصعب أن يتخيّل أحد أن اللعبة ستخرج عن الضوابط الأميركية، وما فعلته اسرائيل حتى اليوم يؤكّد تفوّقها العسكري، وبالتالي يُدرك النظام الايراني أن أي منازلة ستكشف قدراته المتواضعة بالمقارنة مع اسرائيل والولايات المتحدة، ومن البديهي أن لا يتمادى في التصعيد لئلا تنقلب عليه اللعبة ويُصبح عرضة للمذلّة!


