يبدو أن ابنة الـ 53 ربيعاً لا تهدأ، وهي بفعل حيويتها في تغير دائم. فمنذ تأسيسها عام 1971 بانفصالها عن باكستان، تشهد بنغلاديش ثورات وانقلابات وتحولات سياسية تتميز بمداورة زعمائها للسلطة وتوارثهم فيغيبون عن الحكم ويعودون إليه حاملين على الثأر والانتقام من خصومهم. تعددية حزبية وديموقراطية ثابتة وحرية مصانة ودور كبير للمرأة، إلا أن الجمهورية الآسيوية الشابة غير مستقرة، فما الذي يجري في بنغلاديش؟
رمال بنغلاديش المتحركة
هي أرض البنغال أو جمهورية بنغلاديش الشعبية، تقع في جنوب شرق آسيا، تحدها الهند شمالاً وشرقاً وغرباً، أما جنوباً فيحدها ساحل البنغال، عاصمتها داكا، تبلغ مساحتها 147570 كيلومتراً مربعاً، أما سكانياً فتصنّف السابعة عالمياً من حيث الكثافة السكانية بأكثر من 170 مليون نسمة. اللغة الرسمية في بنغلاديش هي البنغالية، وتنتمي الأغلبية فيها إلى الإسلام السني بنسبة 90% ويتبناه الدستور الذي يدعم الحرية الدينية في مقابل 9% ينتمون إلى الهندوسية.
نالت بنغلاديش استقلالها عن باكستان عام 1971، نظامها السياسي هو برلماني جمهوري ديموقراطي، يدعم التعددية الحزبية ويحرص على إجراء الانتخابات النيابية بصورة دورية.
عام 1970، هبَّ إعصار شديد على ساحل شرق باكستان وكانت استجابة الحكومة آنذاك ضعيفة جداً تجاه تلك الكارثة. وفي الأثناء ثار الشعب البنغالي على أثر إبعاد الشيخ مجيب الرحمن عن أي مناصب في الدولة على الرغم من فوز عصبة “أواميليك” التي كان يرأسها بالأغلبية البرلمانية في العام نفسه. بعد ترؤسه لمباحثات تسووية مع مجيب الرحمن، قام الرئيس يحيى خان بالقبض عليه في الساعات الأولى من صباح يوم 26 آذار 1971 وشنَّ عملية مناورة كانت عبارة عن هجوم عسكري مستمر على باكستان الشرقية. وكانت الأساليب التي استخدمها خان دموية نتجت عنها وفاة العديد من المدنيين، وشملت أهدافه الرئيسة المفكرين والهندوس ما أدى إلى فرار حوالي عشرة ملايين لاجئ إلى الهند، وتراوح عدد الذين تعرضوا لتلك المذابح خلال فترة الحرب ما بين ثلاثمائة ألف إلى ثلاثة ملايين شخص.
وقبل أن يلقي الجيش الباكستاني القبض عليه، أعلن الشيخ مجيب الرحمن رسمياً استقلال بنغلاديش وأمر كل فرد أن يقاتل حتى يتم جلاء آخر جندي من الجيش الباكستاني عن باكستان الشرقية (بنغلاديش حالياً). فرَّ معظم قادة عصبة “أواميليك” وشكّلوا حكومة في المنفى في مدينة كالكتا الهندية. ثم حلفت الحكومة المنفية اليمين رسمياً أمام مجيب نجار في مقاطعة كوستيا في باكستان الشرقية في 14 نيسان 1971. استمرت حرب تحرير بنغلاديش لمدة تسعة أشهر. وكانت حرب العصابات التي تقوم بها قوات التحرير والجنود النظاميون البنغاليون تلقى الدعم من القوات المسلحة الهندية فحقق التحالف بين الجيش الهندي والتحريريين نصراً ساحقاً في أنحاء باكستان الشرقية في 16 كانون الأول 1971.
بين الإرث والثأر السياسيَيْن
أصبح قائد استقلال بنغلاديش عن باكستان الشيخ مجيب الرحمن أول رئيس للوزراء، وفي عام 1973 حصلت عصبة “أواميليك” التي كان يرأسها على الأغلبية البرلمانية المطلقة. في عامَيْ 1973 و1974 وقعت مجاعة طاولت جميع أنحاء الدولة ما حتَّم على مجيب الرحمن مطلع العام 1975 القيام بدور اشتراكي حزبي أحادي من خلال الحزب الجديد الذي شكله وأطلق عليه اسم BAKSAL وهو عبارة عن تحالف بين عصبة “أواميليك” وحزب “كريشاك سراميك” الذي كان يدعمه.
في العام 1976 اغتيل مجيب الرحمن ومعظم أفراد عائلته على يد مجموعة من الضباط، وتوالت سلسلة من الإنقلابات الدموية والمضادة التي بلغت ذروتها حتى تسلَّم الجنرال ضياء الرحمن السلطة وقام ببناء تعددية سياسية وحزبية وأنشأ الحزب الوطني البنغالي.
إنقلابٌ عسكري آخر أتى بالجنرال حسين محمد إرشاد إلى السلطة عام 1982، ولكن هذه المرة من دون سفك للدماء وبقيَ حاكماً للبلاد حتى العام 1990، عندها أُجبِر على التخلي عن منصبه تحت ضغط غربي في ظل حدوث تغيير كبير في السياسة الدولية على أثر سقوط الاتحاد السوفياتي والنظام الشيوعي.
وعلى الأثر عاد النظام البرلماني الديموقراطي إلى بنغلاديش وبدأت مرحلة سياسية جديدة قوامها التوريث السياسي. فقد قادت خالدة ضياء أرملة الزعيم الراحل ضياء الرحمن الحزب الوطني وفازت في الانتخابات البرلمانية وأصبحت أول رئيسة للوزراء في تاريخ بنغلاديش من العام 1991 وحتى العام 1996 ثم من العام 2000 وحتى العام 2005.
في المقابل، كانت إحدى بنات مؤسس بنغلاديش مجيب الرحمن الشيخة حسينة تستعد لترؤس عصبة “أواميليك”، وفازت في الانتخابات البرلمانية وأمسكت بالسلطة لتصبح ثاني رئيسة للوزراء من العام 1996 حتى العام 2000 وخسرتها لصالح الحزب الوطني عام 2001.
مطلع العام 2007، اندلعت أعمال عنف في أنحاء البلاد واستشرى الفساد الاداري وانتشرت الاضطرابات السياسية فعُينت حكومة إنتقالية لمكافحة الفساد وإجراء إصلاحات وانتخابات نيابية. في السياق أُلقيَ القبض على عدد من السياسيين والمسؤولين والحزبيين من بينهم خالدة ضياء والشيخة حسينة.
في 29 كانون الأول 2008، أجرت الحكومة الانتقالية انتخابات برلمانية وصفت بالحرة والنزيهة. وحققت عصبة “أواميليك” انتصاراً ساحقاً بزعامة الشيخة حسينة التي أدت اليمين الدستورية كرئيسة للوزراء في 6 كانون الثاني 2009 وبقيت في منصبها حتى أوائل آب 2024 بحيث تنحت عن السلطة تحت الضغط الشعبي وتولى قائد الجيش وقار الزمان المرحلة الانتقالية واعداً بتشكيل حكومة تضم مختلف الأطياف السياسية في البلاد.
تميز عهد كل من الوريثتين السياسيتين خالدة ضياء والشيخة حسينة بالثأر للزوج والوالد فانتقمتا من خصومهما وأودعتا بعضهم السجن وقامتا بتصفية البعض الآخر. فمع وصول ضياء إلى السلطة عام 1991، أجرت محاكمة للرئيس المقال حسين إرشاد وبقي في المعتقل طوال فترة حكمها، وذلك بسبب قضايا فساد وشبهة المشاركة في قتل زوجها، إلا أنه خرج من السجن عام 1997 بعد تحالف حزبه “جاتيا” مع حزب “رابطة عوامي (الشعب)” برئاسة الشيخة حسينة التي ذهبت إلى أبعد الحدود في الثأر السياسي، بحيث قامت بتصفية حساباتها مع كل مَنْ اعتقدت أنه شارك في قتل والدها عام 1976، أو حتى عارض انفصال بنغلاديش عن باكستان، فأجرت محاكمات لقادة الجماعة الاسلامية وأعدمت عدداً منهم.
عودٌ على بدء
لم يكد يمر أسبوعان على توليه قيادة الجيش، حتى عمت البلاد احتجاجات شعبية واسعة النطاق على خلفية إعادة العمل بنظام الحصص الذي يخصص 30% من الوظائف العامة لأفراد عائلات المسؤولين والمقاتلين الذين شاركوا في حرب الإنفصال عن باكستان عام 1971. ففي 5 آب 2024 أعلن الفريق وقار الزمان في خطاب إلى الشعب عن استقالة الشيخة حسينة واجد، واعداً بتشكيل حكومة مؤقتة، داعياً المتظاهرين للعودة إلى بيوتهم وآملاً ثقتهم بالجيش.
في 5 حزيران انطلقت الشرارة الأولى للاحتجاجات في بنغلاديش على أثر قرار إحياء العمل بنظام الحصص أصدرته المحكمة العليا وذلك على الرغم من إلغائه سابقاً تحت وطأة ضغوط شعبية عام 2008. في السياق وجد الجيش نفسه بقيادة الفريق وقار الزمان في مواجهة الشعب بعد أن استعانت به حسينة لفرض حظر للتجول على أثر فشل الشرطة في السيطرة على الوضع على الرغم من إطلاقها الرصاص على المحتجين.
في 20 تموز وعلى الرغم من انتشار وحدات من الجيش في شوارع العاصمة داكا وغيرها من المدن الكبرى، تواصلت الاحتجاجات المطالبة بإلغاء نظام الحصص واستقالة رئيسة الوزراء التي غادرت البلاد متوجهة إلى الهند عبر مروحية عسكرية لتطوي بذلك المرأة الحديدية وابنة المؤسس وزعيم الاستقلال عقدين من الحكم النسوي في 5 آب 2024 بعد سقوط أكثر من 400 قتيل وفقاً لـ “وكالة الصحافة الفرنسية”.
وعد وقار الزمان المتظاهرين بمرحلة إنتقالية تشاور بها مع ممثلي الأحزاب الرئيسة في البلاد ووفى، فبعد مشاورات أجريت مع رئيس البلاد محمد شهاب الدين وكبار ضباط الجيش وقادة مجموعة “طلبة ضد التمييز” الحركة التي قادت التظاهرات الاحتجاجية، حُلَّ البرلمان وتمَّ تعيين الحائز على جائزة نوبل للسلام محمد يونس رئيساً للحكومة المؤقتة.
وفي حديث لصحيفة “فايننشال تايمز” حدد رئيس الحكومة المكلف المصرفي الملقب بـ “نصير الفقراء” محمد يونس الذي اعتبرته الشيخة حسينة مصاص دمائهم والذي أكد رفضه أي مناصب عقب انتهاء المرحلة الانتقالية، ملامح عمل حكومته وأولوياتها، فقال: “من الضروري إعادة الثقة في الحكومة بسرعة، نحتاج الى التهدئة ونحتاج إلى خريطة طريق لإجراء انتخابات جديدة، ونحتاج إلى العمل لإعداد قيادة جديدة. في الأيام المقبلة سأتحدث مع كل الأطراف المعنية بشأن الكيفية التي يمكننا بها العمل معاً لبناء بنغلاديش”.
طوت بنغلاديش صفحة كبيرة في تاريخها السياسي الذي تكتبه بحبر دمها منذ تأسيسها، وها هم الطلاب من جديد يصنعون الحدث العالمي، فسد الحاكم فأُسقط، ثار الشعب فكان له ما أراد، سالت الدماء فكُتب التاريخ، وعد الجيش بمرحلة جديدة فوفى، لتبقى المحاسبة رهن المسار الانتقالي المرتقب في جمهورية تقع في جنوب قارتنا الآسيوية ونحن في غربها لكنها تعطينا دروساً في رفض الواقع والتطلع نحو المستقبل.


