لبنان تحت العناية الأميركية بحراً وجواً وديبلوماسياً!

جورج حايك
لبنان واميركا

قد يكون العنوان مثيراً للريبة، لكن ليس هذا المقصود، إنما تسليط الضوء على الواقع، إذ يتبيّن يوماً بعد يوم أن لبنان ليس متروكاً، ولو كان تأثير “حزب الله” كبيراً على القرار السياسي فيه، ما يجعل نفوذ إيران واضحاً في هذا البلد الصغير. لكن في خضم الصراع الدائر، يبرز اهتمام أميركي لافت بالوضع اللبناني، ولا سيما المساعي الديبلوماسية الأميركية لإبعاد شبح الحرب عنه، وهذا ما تترجمه الزيارات المتتالية للموفد الديبلوماسي الأميركي آموس هوكشتاين.

لا شك في أن الاهتمام الأميركي بلبنان لا يقتصر على الديبلوماسيّة، إنما يتجاوزها إلى التعاون العسكري مع الجيش اللبناني، وبناء ثاني أكبر سفارة أميركية في العالم، إضافة إلى وجود أساطيل بحرية لواشنطن في المياه الاقليمية. وكل هذه الحركة ليست عاديّة، ربما تُزعج “حزب الله” الذي صوّب من خلال إعلامه مراراً وتكراراً على وجود تحركات عسكرية أميركية في أجواء لبنان جواً وبحراً من جهة، وتريح المعارضة وكثيراً من الشعب اللبناني غير المنسجم مع طروح “الحزب” من جهة أخرى، لأن اللبنانيين يعتبرون أن مشروع إيران لا يشبه نمط حياتهم وانفتاحهم على المجتمع الدولي، ويسعى إلى السيطرة على الدولة اللبنانية.

منذ أيام قليلة، كانت شواطئ الهري في شكا تعجّ برواد البحر، وقد شاهدوا طائرة غريبة ليست مدنيّة آتية من البحر باتجاه حامات على علو منخفض، ففهم البعض أنها قد تكون طائرة أميركية أو غيرها هبطت في القاعدة الجويّة في حامات!

حتماً هذه ليست المرة الأولى، فحركة الطائرات الأميركية والأوروبية من هذا النوع لا تتوقف في قاعدة حامات، وبعيداً عن نظرية المؤامرة التي يتقنها إعلام “الممانعة”، أكّد الجيش اللبناني في بيانات سابقة واضحة أن حركة الطائرات التي تشهدها قاعدة حامات الجوية هي من ضمن برامج طيران لطائرات أجنبية بصورة روتينية ومستمرة، وكل طائرة تهبط في حامات تحصل على إذن وموافقة مسبقة من القوات الجوية، لافتاً إلى أن ازدياد وتيرة الطائرات خلال الأسابيع القليلة الماضية، سببها أن غالبية السفارات، لا سيما الكندية والألمانية، بدأت باستقدام معدات لأطقمها الأمنية في حال حصول أي حرب، وذلك من أجل مساعدتها في عمليات الحماية والإجلاء.

ويلفت الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب إلى أن “هناك مساعدات أميركية كثيرة تأتي الى الجيش اللبناني علماً أنه غير مقيّد بأي اتفاقية مع الولايات المتحدة مقابل هذه المساعدات، كما أن هناك زيارات لشخصيات عسكرية وسياسية أميركية إلى حامات، وهذا الأمر لم ينفه الجيش، وأرى أن الحركة الجوية الأميركية وحتى الأوروبية هي لمتابعة تسليم العتاد الذي ترسله هذه الدول إلى الجيش كهبات، إضافة إلى برنامج تدريب أميركي لعناصر الجيش وتسليمه بعض الأسلحة الخفيفة والمتوسطة”.

أما همّ واشنطن الأول اليوم، وفق ملاعب، فهو حماية اسرائيل من أي هجوم ايراني أو من “حزب الله”، و”من جهة أخرى لا يُمكن أن نغفل عن أن لبنان مرتبط بالعالم الغربي وهذا ما يُترجم من خلال تدريب جيشه والمؤتمرات والمعارض، إضافة إلى أن الحضور اللبناني في الولايات المتحدة يُحسب له ألف حساب ويتمثّل ذلك في زيارات قائد الجيش والنواب اللبنانيين إلى دوائر القرار الأميركية، وهنا يجب أن لا ننسى أن الولايات المتحدة تبذل أقصى جهدها كي لا تتحوّل المواجهات في الجنوب بين اسرائيل والحزب إلى حرب شاملة”.

بالنسبة إلى الأساطيل البحرية الأميركية الموجودة في المياه الاقليميّة اللبنانية، لا يعتبر ملاعب أنها لحماية لبنان إنما اسرائيل أولاً وآخراً، “فكل البوارج والسفن الحربية الأميركية والفرنسية والألمانية التي قادت قوات اليونيفيل في فترة سابقة مكرّسة للدفاع عن اسرائيل، وهي تعتبر أن حزب الله اعتدى على اسرائيل في 8 تشربن الأول 2023 وهو من فتح الجبهة”، مشيراً إلى أن “واشنطن تقوم بالتعاون مع أوروبا بجهد ديبلوماسي كبير لإبعاد كأس الحرب عن اللبنانيين، إلا أنها إذا اندلعت فستكون إلى جانب اسرائيل ضد الحزب”.

وليس بعيداً عن البحر والجو، تشكّل السفارة الأميركية قيد الإنشاء في عوكر امتداداً برياً للنفوذ الأميركي في لبنان، فهي سفارة ضخمة بل ربما الأكثر ضخامة بعد السفارة الأميركية في العراق، تتضمن 19 مبنى، وتبلغ ميزانيتها مليار دولار، وعادة تبني واشنطن سفاراتها في الدول لمساعدة المواطنين الأميركيين الذين يزورون البلد المضيف أو يعيشون فيه. لكن مثل هذه التفسيرات تتناقض مع حجم لبنان النسبي ومكانته الاقتصادية، والاهتمام الكبير بالجيش بحيث أنفقت عليه وعلى الأجهزة الأمنية الأخرى ما لا يقل عن 3 مليارات دولار منذ عام 2006، كجزء من مساعدات إجمالية بقيمة 10 مليارات دولار للبنان، وفقاً لمعلومات من الكونغرس نُشرت عام 2020. كل ذلك، يُفسّر مشاهدة سكّان حامات طائرات عسكرية كبيرة من طراز C130 تهبط بصورة دورية هناك.

ويؤكّد الجنرال ملاعب أن “بناء سفارة أميركية بهذه المساحة الواسعة في لبنان له دلالات كبيرة على الصعيد الاستراتيجي وخصوصاً بسبب موقعه الاستراتيجي في البحر المتوسّط، وربما في مواجهة الروس الموجودين في طرطوس على الساحل السوري، فالجغرافيا تفرض أن يكون لدى الأميركيين هذا الاهتمام انطلاقاً من نظرية عسكرية استراتيجيّة تقول بأن السيطرة على العالم تقتضي السيطرة على البحار والشواطئ، لذلك تنتشر القواعد الأميركية في البحرين وقطر والكويت وحتى في العراق، وخصوصاً أن هذه المنطقة مليئة بالثروات الطبيعيّة”.

قد تكون المواجهة بين اسرائيل من جهة ومحور الممانعة من جهة أخرى، فرضت هذا الاهتمام الأميركي الفائق بلبنان ذي الموقع الاستراتيجي، إلا أن ملاعب يوضح أن “محور الممانعة بقيادة إيران استطاع أن يخلق نوعاً من توازن الردع مع اسرائيل، وتبيّن أن الأخيرة عاجزة وحدها عن مواجهة هذا المحور، بل تحتاج إلى دعم أميركي متواصل، لذلك لا أعتقد أن الولايات ستسمح بالإحتكام إلى القوة والحرب الشاملة بين اسرائيل وايران، إنما الأمور ستحلّ بالمفاوضات، علماً أن هذه المفاوضات لم تتوقّف بين الأميركيين والايرانيين، ولا أستبعد أن تؤدي إلى تنازلات متبادلة بينهما، وقد يكون التنازل الأميركي عبر التسليم بنفوذ إيران في لبنان”.

ويرى أن الموفدين الأميركيين وغيرهم يحاورون “القويّ”، وهو “الحزب” اليوم، وعلينا أن نعترف بذلك، وهذا ما حصل في العراق عندما وافقت واشنطن على وصول رئيس الحكومة العراقي نور المالكي الموالي لإيران.

في المقابل، لا تؤيّد شخصية سياسية في المعارضة اللبنانية هذه النظرية، وترى أن الولايات المتحدة وأوروبا تفاوضان “الحزب” من أجل الرضوخ للقرارات الدولية وليس للتسليم بنفوذه، ولا يمكن أن تولي واشنطن كل هذا الإهتمام بلبنان كتسليح الجيش اللبناني وتمويله وتدريبه ليكون خاضعاً لسيطرة “الحزب”، وكل المؤشّرات والوقائع تؤكّد أن “الحزب” مأزوم، وسيجد نفسه مضطراً إلى التراجع أمام ضغوط اسرائيل والمجتمع الدولي، وهو مهدد بضربة عسكرية قد تؤدي إلى تحجيمه، علماً أننا لا نراهن على أحد، وحتى لو جرت أي صفقة أميركية مع “الحزب” سنواجهها، إلا أننا نستبعد ذلك.

على أي حال، قد تكون إدارة الرئيس جو بايدن متساهلة مع إيران ولديها بعض المصالح الآنية معها، لكن إذا تغيّرت الادارة وأتى رئيس آخر مثل دونالد ترامب فكل المعادلات ستتغيّر، ولن يكون المستقبل لمصلحة إيران ولا لحزبها في لبنان!

شارك المقال