الرئيس عون والرقيب الأول فرح

سياسة 30 آب , 2021 - 12:05 ص

لبنان الكبير

 

يتصرّف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مثل شريك في تشكيل الحكومة الجديدة متراجعاً عن دوره الأساسي كراعٍ للتشكيل، لكونه الرئيس الأعلى للبلاد والقيٍّم على حسن أداء السلطات.

ويعود ذلك التصرّف إلى أن الرئيس عون لا يثق إجمالاً بالقيادات السياسية القائمة منذ أكثر من عقدين، خصوصاً لأنها تتمسّك باتفاق الطائف، في حين أنه يعتقد بسوء هذا الاتفاق ويعمل على "فرملته" لتعذّر الخروج على أحكامه. هذه هي المشكلة، فلبنان أمام رئيس للجمهورية يغرّد خارج السرب السياسي القائم موالاة أو معارضة، وليس الأمر كما يحلو للبعض الإيحاء بالبعد الطائفي لموقف الرئيس، فليس عون أكثر مارونية من سمير جعجع أو من سامي الجميّل أو حتى من سليمان فرنجيّة.

محاولات رئيس الجمهورية إضعاف عصب اتفاق الطائف في غير محلّها وفي غير وقتها لأن لبنان في أسوأ أحواله منذ مجاعة الحرب العالمية الأولى، ولأن اللبنانيين في حال ضياع وفوضى ليس لها مثيل في تاريخهم الحديث. والمطلوب قبل فتح ملف الطائف علنا أو سراً تدبير الحد الأدنى من وجود السلطة التنفيذية ممثلة بحكومة جديدة، والعودة إلى التنسيق بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، خصوصاً أن هذه الأخيرة تحطّمت أو تكاد نتيجة تدخلات الزعامات المهيمنة على الحكومة والبرلمان، ووصل الأمر إلى سلب القضاء الكثير من استقلاليته.

من حق الرئيس عون أن يعلن استمراره في معارضة اتفاق الطائف ولكن ليس من حقه ممارسة هذه المعارضة عمليّاً من خلال موقعه في الرئاسة، فهو حين ترشّح لهذا المنصب ارتضى بالضرورة الإنصياع إلى ما يترتّب على اتفاق الطائف وإن خالف قناعاته الشخصية.

من هنا يبدو موقف الرئيس عون تراجيديا أكثر مما هو موقف سياسي، وهو في نظر المراقبين مثل سياسي ضائع يعارض موقعه أكثر مما يعمل على تعزيز هذا الموقع. وبهذا تقطّعت السبل بينه وبين الطبقة السياسية اللبنانية، بل سادت روح الخصومة وصولاً إلى العداء بينه وبينها. كل ذلك في ذروة الأزمات السياسية والإقتصادية والأمنية التي يمر بها لبنان اليوم، بحيث يسهل اتهام الرئيس بأنه سبب الأزمات، وإن كان في هذا الإتهام شيء من الظلم ومن التبرئة لسائر القيادات السياسية التي لاحظت أن مركبة النظام تسير نحو الهاوية ولم تبذل أي جهد لإيقاف هذا المسار الكارثي الذي وصلنا إليه.

وما يحدث هو انهيار للمجتمع قد يؤدي إلى حروب صغيرة لكنه لن يصل إلى حروب طائفية، لأن الذاكرة اللبنانية لم تنسَ بعد حروب 1975- 1990 الطائفية، ولأن الطوائف الكبرى تقودها اليوم زعامات تتقاطع مواقفها أو تلتقي أمام هذه الأزمة أو تلك، كما أن معظم اللبنانيين يجمعهم، على رغم تناقض المصالح الصغيرة، ولاء للكيان اللبناني وللإنتماء العربي، ولم تصل قوى الممانعة (إيران وسورية واليمن) إلى درجة إقناع الغالبية اللبنانية بمسارها الملتبس الذي لم يقنع العراقيين وهم الشعب العربي الأكثر قرباً جغرافياً من إيران.

لا حروب طائفية متوقّعة في لبنان، لكنه مهدد بحروب التفتيت التي تكاد تعادلها في الخطورة، فالجوع لا يضرب الجسد فقط لكنه يضرب أيضا التفكير العقلاني والقدرة على التفريق بين الخطأ والصواب. هكذا نرى يوميات لبنانيين كثيرين محكومة بممارسات السرقة المعلنة وغير المعلنة، وشاهدنا الوطن كلّه يعوم على بحيرات جوفيه من البنزين والمازوت، في حين تتعطّل الكهرباء ولا تصل المياه إلى البيوت وتتوقف عن العمل مؤسسات حيوية أبرزها المستشفيات.

ولنا أن نشير أخيرا إلى عدم تنبّه الرأي العام ومن قبله السلطات السياسية والعسكرية إلى رسالة كتبها الرقيب الأول في قوى الأمن الداخلي شربل فرح قبل انتحاره. ولعله ظن أن الإنتحار والرسالة سيحركان ضمير القيمين على السلطة في وطن أحبه وعمل على تطبيق قوانينه بتجرد.

وخلاصة الرسالة بيان الوضع المالي له ولزملائه، وأنه عالق معهم في أسر الخدمة العسكرية، فلا هو قادر على العيش ولا هو حر في الإستقالة. ليست الأمور بهذه البساطة إنما هي ضغط غير محتمل على موظف مخلص وحساس أدى إلى احتجاجه بالإنتحار.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us