التفوق الجوي لا يحسم… وميدان لبنان أصعب بكثير من غزة 

محمد شمس الدين

كان “ملك” اسرائيل بنيامين نتنياهو يستطيع أن ينهي الحرب ويعلن انتصاره بعد اغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله وعدد من قيادييه في الضاحية الجنوبية لبيروت، والذي يعد أقسى ضربة لـ”محور المقاومة” الذي تقوده إيران ويضم “حزب الله” و “حماس” والحوثيين والفصائل العراقية، وكان يمكن لنتنياهو أن يضمن مستقبله السياسي لسنوات، إلا أنه وقع في الخطأ نفسه لقادة اسرائيل السابقين وبدأ يغذي الجموح التوسعي في كيانه، ووضع نصب عينيه الليطاني مجدداً.

ربما ظنّ نتنياهو أن لبنان سيكون نزهة بعد ضرب التسلسل القيادي في “حزب الله”، وأنه سيستطيع احتلال وتأمين ١٠ أو ٢٠ كيلومتراً داخل جنوب لبنان، إلا أن الجيش الاسرائيلي تعرض لـ”كارثة” في المناورة البرية كما قال إعلامه، معترفاً بسقوط 8 قتلى وعشرات الجرحى من جنوده.

وقال مصدر قيادي في “الثنائي الشيعي” لموقع “لبنان الكبير”: “ليس غريباً أن يكون الجيش الاسرائيلي متفوقاً في الجو، هذا أمر يعلمه العالم، فالسماء ملك طائرات اسرائيل الحربية، ولكن يجب أن يسأل نتنياهو نفسه، إن كان جيشه يمتلك التفوق نفسه في البر؟ كأنه لم يتعلم من دروس حروب لبنان السابقة، فعلى الرغم من كل المدرعات والتقنيات، العنصر البشري المقاوم والذي ينتهج حرب العصابات سيكبد أي جيش نظامي خسائر ضخمة، وهذا ما شهدناه في حرب تموز 2006”.

ولفت المصدر إلى أن “الشباب المرابط على الحدود لا يحتاج إلى تسلسل قيادي لصد الهجمات الاسرائيلية، فهو يعمل وفق مبدأ الذئاب المنفردة، التي تكون مؤلفة من مجموعة صغيرة لا تتخطى ال 4 أشخاص وتستطيع أخذ القرار بنفسها من دون العودة الى القيادة، بعكس حرب الاسناد وإطلاق الصواريخ التي كانت تحصل بأوامر قيادية بحسابات معينة، من أجل تجنب الحرب الشاملة”.

أضاف المصدر: “على الأرض لا تنفع المسيرات ولا F16 ولا F35، ولا الصواريخ، لا سيما ضد رجال تعودوا القتال كأشباح، وإن أخذنا درساً من قتال الحزب في سوريا، فهو كان يرسل مجموعات صغيرة خلف خطوط المجموعات المسلحة ويجهز عليها بكمين مزدوج يسبب الضياع والارباك فيها، واليوم الحزب يمتلك مسيرات متنوعة من تجسسية وانتحارية وأخرى تطلق صاروخاً أو أكثر، وبالتالي سيعاني جيش العدو جداً في أي محاولة للاقتحام البري”.

وذكر المصدر بأن “المقاومة في لبنان كانت، حتى قبل الحزب وتطوره، مجموعات بسلاح خفيف مثل حركة أمل والشيوعيين والقوميين وغيرهم، وكان الاسرائيلي يعاني معها، واليوم إذا قرر الاجتياح مجدداً فلن يواجه الحزب فقط، بل فصائل أخرى أيضاً، فجنوب لبنان كله يرفض الاحتلال، وسيواجهه، وفي أسوأ سيناريو قد يحتل شطراً من الحنوب ويضع عناصر جيشه عرضة لتلقي ضربات المقاومة”.

أما الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري (إنيغما) رياض قهوجي، فأكد في حديث لموقع ” لبنان الكبير” أن “حرب العصابات تبقى من أصعب الحروب بالنسبة الى الجيوش النظامية، لأنها حروب من قوى غير نظامية تعتمد على المفاجأة والكمائن والخداع، وتكون في مناطق صعبة في عمق جغرافي كبير، تمكن المدافع من استخدام أنفاق وأحراج، وتعطيه غطاء وحرية حركة، طبعاً اذا كان الخصم لديه خبرة كبيرة بالقتال وأسلحة حديثة جيدة، وحزب الله يمتلك كل هذه المقومات، ولن تكون عملية سهلة أبداً للجيش الاسرائيلي، وسلطة بلاده تدرك ذلك”.

ولفت قهوجي إلى أن “القوات الاسرائيلية اكتسبت خبرة من تجربة غزة، ولكن طبيعة أرض غزة تختلف عن طبيعة أرض لبنان، فغزة مساحة ضيقة جداً غالبيتها عمران، والمساحات الفارغة فيها قليلة وضيقة، بينما جنوب لبنان مع البقاع يمتلك عمقاً جغرافياً أكبر، تضاريس، جبال، وديان وأحراج، وكان الحزب يملك الوقت لانشاء أنفاق متنوعة، ولديه إمداد سلاح، بينما في غزة أغلقت اسرائيل كل المنافذ، والحزب لا تزال لديه القدرة على نقل السلاح والتحرك، ونوع الحرب معه بالنسبة الى الاسرائيلي مختلف جداً حتى مع اكتساب خبرة في حرب غزة”.

وأشار قهوجي إلى أن “حجم الجيش الاسرائيلي ونوعية تسليحه سيمكنانه من احراز تقدم واجتياح أراض ولكن الكلفة ستكون باهظة جداً، وحجم التقدم سيرتبط بمدى قدرة اسرائيل على تحمل خسائر في جنودها”.

واعتبر قهوجي أن اسرائيل ستنتهج سياسة الأرض المحروقة، وستكون الحرب “شرسة جداً اذا ما قررت التقدم، وحتى الاَن لسنا واثقين ما إذا كان هناك قرار حقيقي بالتقدم، وليس ما يجري حرب أعصاب، واذا كان هناك من قرار، فمن غير المعروف إلى أي مدى العمق الذي سيتقدم به، وهذا كله رهن التطورات في الأسبوع المقبل”.

الطيران الحربي لديه قدرة تدميرية واسعة، ولكن لا يمكنه حسم معركة، تحديداً مع لبنان، فالحسم يأتي في البر، ولكن هذا سيكون أمراً شبه مستحيل على الجيش الاسرائيلي، في بلد بنى فيه “حزب الله” بنية تحتية مهولة ليقاتل بها اسرائيل، هذا عدا عن رفض أهل الأرض احتلالها من اسرائيل بحيث كان الجنوبيون يستخدمون كل الوسائل للتسبب في الضرر للعدو.

ويبدو أن نتنياهو لم يتعلم من أسلافه، ولا من تجارب دول أكبر منه كالولايات المتحدة كيف أوجعتها حرب العصابات، في فيتنام وأفغانستان، وكيف عانت روسيا أيضاً من حرب العصابات.

شارك المقال