أدت الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان منذ العام 1975 وحتى العام 1990 إلى وجود حكومة ضعيفة وغير قادرة على ضبط البلاد والعباد ما شكل بيئة خصبة لتدخلات عميقة من القوى الخارجية طبقاً لمصالح شخصية ومشاريع توسعية، أبرزها النظام الإيراني بقيادة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الخميني الذي ارتأى أهمية تصدير ثورته إلى المنطقة العربية بهدف استعادة أمجاد امبراطورية سقطت قبل أكثر من ألف عام، وفي سبيل تحقيق ذلك اعتمد استراتيجية إشعال النار في بساتين الآخرين.
ففي 6 حزيران 1982 أمر الخميني بإرسال كتيبة تحمل اسم “محمد رسول الله” بقيادة الحرسي حسين مصلح الذي كان يعمل تحت إشراف استخبارات الحرس الثوري الإيراني. ارتكبت تلك الكتيبة سلسلة من الانفجارات المتتالية في لبنان أهمها: السفارة الأميركية، تفجير مقر قوات المارينز والفرنسيين بالإضافة إلى اختطاف أجانب من جنسيات متعددة وقتلهم.
في 18 نيسان 1983 تمَّ تفجير السفارة الأميركية في بيروت في هجوم انتحاري عبر استخدام سيارة “فان” سُرقت من مرآب السفارة نفسها في حزيران 1982، وكانت تحمل 2000 رطل من المتفجرات بحيث فجرت عند مدخل المبنى المكون من 7 طبقات، ما أسفر عن مقتل 63 شخصاً وإصابة 120 آخرين. وكان رئيس مكتب الـCIA في الشرق الأوسط من بين 17 أميركياً قتلوا في التفجير، معظم القتلى كان يتناول الغداء عندما انهار سقف المبنى فوق رأسه. ساعات قليلة تبنى “الجهاد الإسلامي” مسؤولية العملية التي كانت تحت إشراف قادة الحرس المتمركزين في بعلبك ووادي البقاع أبرزهم الحرسي حسين مصلح.
وعلى الرغم من هول تفجير السفارة الأميركية الذي لم تكد تسكن شظاياه بعد، إلا أن العالم أصيب بذهول مطبق جراء حدث أمني غير مسبوق، ففي 23 تشرين الأول 1983 عند الساعة السادسة وعشرين دقيقة صباحاً شُنَّ هجوم انتحاري استهدف مقرات المارينز الأميركيين في بيروت. تلك العملية الانتحارية اصطلح على تسميتها في أدبيات نظام الخميني بـ “عملية المارينز”. بعد دقائق وقع انفجار مشابه في مقر القوات الجوية الفرنسية. في المحصلة، قتل 241 جندياً أميركياً و58 جندياً فرنسياً و6 مدنيين وأصيب مئات آخرون.
نقل لتلك العملية الانتحارية حوالي ألف كيلوغرام من المواد المتفجرةTNT بواسطة شاحنتين إلى داخل مباني قوات حفظ السلام التابعة للقوات متعددة الجنسيات (MNF) المكلفة إنهاء الحرب الأهلية في لبنان. وكانت المواد المستخدمة في ذلك الانفجار تمتلك قوة تفجيرية تعادل 6000 كيلوغرام من TNT، وأعلنت الولايات المتحدة حينها أنه أكبر انفجار غير نووي على وجه الأرض.
بعد ساعات من وقوع الانفجارين، تبنت مجموعة “الجهاد الإسلامي” المسؤولية عنهما وقدمت شابين يبلغان من العمر 20 و21 عاماً كمنفذين لهما. إلا أنَّ الولايات المتحدة وجدت في تحقيقاتها أن “حزب الله” مسؤول عن هذا الهجوم الإرهابي الذي تمَّ بدعم من نظامَيْ إيران وسوريا. ويعتبر السفير السابق للنظام الايراني في لبنان الملا محتشمي بور اللاعب الرئيس في تصميم تلك السلسلة من العمليات الارهابية.
مطلع أيلول 1983، استولت مجموعة “حزب الله” بمساعدة الحرس الثوري وتحت قيادة الحرسي حسين دهقان على ثكنة الشيخ عبد الله. كانت تلك الثكنة القاعدة الرئيسة للقوات العسكرية اللبنانية في وادي البقاع، وتمَّ تسميتها لاحقاً بـ”إمام علي” وتحويلها إلى مقر القيادة المركزية للحرس الثوري، ومنها كان الحرس يتحكم بالقوة العسكرية لـ “حزب الله” ويدير إلى جانب هذه المجموعة الهجوم على مقر قوات حفظ السلام في بيروت الذي نُفذ بواسطة منظمة “الجهاد الاسلامي” تحت قيادة عماد مغنية. أُرسلت أوامر الهجوم على القوات متعددة الجنسيات في بيروت أولاً من الحرس الثوري إلى السفير الإيراني في سوريا الملا محتشمي بور، الذي بدوره أرسل تلك الأوامر إلى قوات الحرس الثوري في لبنان، وأخيراً قُدمت الميزانية اللازمة والتدريبات التكتيكية بواسطة الحرس الثوري في بيروت تحت إشراف قائدهم حسين دهقان.
وتجدر الإشارة إلى أنه في 20 أيلول 1984، وقع هجوم آخر على السفارة الأميركية في بيروت بحيث تمَّ نقل شاحنة محملة بـ1102 باوند من المواد المتفجرة من مجموعة تابعة للنظام الإيراني إلى أمام القنصلية. أطلق الحرس الأمني النار عليها، لكن الشاحنة انفجرت أمام مبنى السفارة مباشرةً، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 شخصاً وإصابة عدد كبير فانهار الجزء الأمامي من المبنى المكون من 5 طبقات.
في العام 2004 أي بعد مرور 21 عاماً على عملية تفجير مقر قوات المارينز، أقام الحرس الثوري الإيراني نصباً تذكارياً تكريماً وتخليداً لمنفذي العملية في القطعة المعروفة بـ”شهداء العالم الإسلامي” في مقبرة بهشت زهراء في طهران.
كما كان لافتاً ما ورد في صحيفة “مشرق” الايرانية بتاريخ 10 أيلول 2011 بحيث نشرت صورة التقطت في العام 1980 في بيروت أي قبل وقوع التفجيرات الآنفة الذكر بثلاثة أعوام، ظهر فيها كل من محسن رضائي (القائد السابق لاستخبارات الحرس الثوري)، محسن رفيقدوست (مسؤول دعم الحرس الثوري)، محمد صالح الحسيني (مسؤول العلاقات الخارجية في الحرس الثوري) واللبناني أنيس النقاش (منفذ أول عملية اغتيال لشاپور بختیار عام 1980 في بيروت).
في 20 تموز 1991 نقلت صحيفة “رسالت” الايرانية عن اعترافات وزير الحرس الثوري آنذاك محسن رفيقدوست قوله: “بنجاح الثورة في لبنان وفي العديد من الأماكن حول العالم، تشعر الولايات المتحدة بلكمتنا على جسدها الدنيء وتعلم أن تلك المواد المتفجرة التي امتزجت بتلك الأيديولوجيا أرسلت 400 ضابط وجندي ورتب أخرى إلى الجحيم دفعة واحدة؛ كانTNT والأيديولوجيا من إيران وهذا أمر ملموس جداً بالنسبة للأميركيين، لذلك هم في حالة عجز في الخليج”.


