الاعتراض على الفشل وليس على محاربة إسرائيل

أحمد عدنان

فسر جمهور محور الممانعة الموقف السلبي لشرائح واسعة من الناس ضد الأمين العام لميليشيا “حزب الله” الأسبق السيد حسن نصر الله بأنه موقف طائفي سببه أن “نصرالله” شيعي، بينما الصحيح أن أغلب الموقف السلبي سببه أفعال الحزب والمحور الذي ينتمي إليه الأمين العام، إضافة إلى الرفض الواسع لفكرة الإسلام السياسي ومشروع الميليشيات المناهض للدولة، فأغلب من يتبنى موقفاً سلبياً ضد “نصرالله)” يتبنى الموقف نفسه ضد يحيى السنوار وأسامة بن لادن والبغدادي.

وبعد اغتيال يحيى السنوار، قدم جمهور المحور سردية جديدة، مفادها أن الموقف السلبي من السنوار و”نصرالله)” سببه معاداة كل من يحارب إسرائيل أياً كان مذهبه وتوجهه السياسي. وهذا أيضاً غير صحيح.

مرت قبل فترة الذكرى السنوية الأولى لعملية “طوفان الأقصى”، وللمفارقة لم يكن السنوار نجمها، بل كان الرئيس المصري الأسبق والراحل محمد أنور السادات بطل الحرب والسلام في ذكرى حرب 6 أكتوبر 1973.

اتخذ الرئيس السادات قرار العبور بشجاعة، لكن الأهم من قرار العبور كان الحسابات السياسية الدقيقة والرؤية الاستراتيجية الواضحة، فكانت نتيجة العبور تحرير أرض سيناء كاملة حرباً ثم سلماً، وأتم الرئيس محمد حسني مبارك عملية التحرير الصعبة والطويلة بالتحكيم الدولي حول طابا. إنها قصة نجاح مذهلة ومكتملة، ولولا شجاعة الرئيس السادات وبصيرته وحكمته، لكان مصير سيناء هو مصير الجولان نفسه.

في المقابل، تتجلى قصة “طوفان الأقصى” وملحقاتها كنموذج للفشل، فالعملية التي يفترض أن تحرر كل الأسرى الفلسطينيين، إضافة إلى إنهاء الاحتلال كما قال محمد الضيف صبيحة 7 أكتوبر 2023: “اليوم هو يوم المعركة الكبرى لإنهاء الاحتلال الأخير على سطح الأرض”، انتهت بمطالبة العودة إلى 6 أكتوبر 2023، أي وقف إطلاق النار وخروج إسرائيل من غزة، وما بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2024 دفعت غزة ثمناً فادحاً ومرعباً، وتضاعف عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل.

عملية “طوفان الأقصى” امتداد لفشل “حماس” منذ تأسيسها. قامت “حماس” على رفض فكرة حل الدولتين، وحاربت خيار ياسر عرفات السلمي وزايدت عليه، ثم صرحت بأنها تؤيد حل الدولتين بعد أن فعلت إسرائيل ما فعلته في غزة مؤخراً، وساهمت الحركة في محاصرة الغزاويين حين رفضت إبقاء المعابر تحت إدارة السلطة بعد انقلاب “حماس” عليها، ومؤخراً أبدت استعدادها لتسليمها الى لسلطة بعد وقف إطلاق النار.

هذه الحماقات، أضاعت الكثير على أهل غزة منذ سنة 2007، وأضاعت على الفلسطينيين أكثر وأكثر بسبب المزايدة على عرفات ومحاربته قبل ذلك، مع العلم بأن إنجاز تحرير غزة يسجل لعرفات ولا يسجل للحركة. وإن تم تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي بعد وفاة عرفات بأشهر. لذلك يبدو ما كتبه بريماكوف في مذكراته مفهوماً، بأن إسرائيل سهلت قيام حركة “حماس” لإضعاف عرفات وحركة “فتح” ومنظمة التحرير، وبالتالي لن يكون مستغرباً ما قاله نتنياهو قبل الطوفان، بأن استمرار سيطرة “حماس” على غزة سيمنع قيام الدولة الفلسطينية، ولن يكون مستغرباً ما فعله بأن سهل تمويلها من دول معروفة لتبقى سيطرتها على القطاع المنكوب، القطاع الذي كان أكثر أمناً وازدهاراً تحت مظلة السلطة الفلسطينية قبل انقلاب “حماس” المشؤوم.

أوضاع غزة الأفضل أو الأقل سوءاً تحت مظلة السلطة دليل على فشل “حماس” في الحكم والإدارة كما فشلت في المقاومة والتحرير، وهذا يتشابه مع فشل “حزب الله” في لبنان، فرق كبير بين ازدهار لبنان في عهدة الرئيس الشهيد رفيق الحريري – الذي اغتاله “حزب الله” – وبين لبنان الذي هيمن عليه الحزب الإلهي بداية من حكومة القمصان السود 2011. وكان يمكن أن يكون انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000 إنجازاً للحزب، لولا أنه ساهم في إخراج إسرائيل من جنوب لبنان ليكون عصا وصاية إيران على لبنان كله، ولا ننسى أن للرئيس الشهيد رفيق الحريري دوراً كبيراً في إنجاز التحرير من خلال تفاهم نيسان 1996.

أقحم الحزب الإلهي لبنان في حرب “طوفان الأقصى” في ظل أزمات لبنان المتفاقمة مالياً واقتصادياً ومعيشياً وأمنياً، وفي فراغ يعصف بالدولة ومؤسساتها وعزلة عربية فرضتها أفعال الحزب داخل لبنان وخارجه، وفوق الظروف القاسية التي لا تسمح لأي بلد في العالم بدخول حرب، كان سقوط نظرية الردع، فسلاح الحزب لم يمنع القتل والقصف والتهجير والدمار، ولا يستطيع الصمود أمام الذكاء الاصطناعي، فمهمته الرئيسة – مع استهداف العرب – هي ترويع اللبنانيين وإرهابهم ومحاولة إخضاعهم، لذلك لم يحسب الحزب أي حساب لسلامة المدنيين ومصالحهم، سواء على مستوى بيئته أو على المستوى الوطني، وهو ما سبقته إليه “حماس” مع أهل غزة.

بعض قادة “حماس” تاريخهم معروف في القتل على الشبهة واستباحة الدم الفلسطيني، وتاريخ الحركة المعروف برجعيتها الدينية لا يحتاج إلى تذكير، ومسيرة “حزب الله” في الاغتيال السياسي وغسيل الأموال والمخدرات والتجسس والإرهاب موثقة بأحكام قضائية في أغلب الكرة الأرضية، وتخلف المرجعية الدينية للحزب وتطرفها معلوم ومشهود، ليتضافر مع فشل المقاومة والتحرير وفشل السلطة وإلغاء المدنيين: سوء السيرة والسريرة.

لم يخدع محور الاعتدال العربي أهل العرب، وقال بوضوح إن ميزان القوى يميل إلى الغرب وإسرائيل، وعليه فإن السلام هو الخيار الاستراتيجي، بينما روّجت الميليشيات التابعة لمحور الممانعة بأنها قادرة على إزالة إسرائيل من الوجود، ولو أنها صدقت وأفلحت لما عارضها أو عاداها أحد، لكن الذي اتضح واقعاً أن هذه الميليشيات تقدم السلطة على كل اعتبار وأنها كذبت على جمهورها واسترخصته.

بين 6 أكتوبر 1973 و7 أكتوبر 2023، قصة نجاح وقصة فشل، زعيم احترم شعبه وسعى إلى تحرير أرضه، مقابل ميليشيات ألغت أهلها وارتزقت للخارج. قصة دولة حققت هدفها، مقابل قصة جماعات ارتضت الانتحار إنجازاً.

إن النكبات التي تفاقمت في المنطقة منذ سنة تؤكد المؤكد، بأن الميليشيات لعنة والدولة هي الضرورة والمقصد والمنجى والملاذ. رحم الله أنور السادات وأسكنه فسيح جناته، وأصلح الله بعض العرب الذين يقدسون من ينكبهم ويهملون من يحررهم وينتصر لهم.

شارك المقال