ضبط إيقاع أميركي بين إيران واسرائيل… هل تنتهي الحرب؟

محمد شمس الدين
القصف الاسرائيلي على ايران

انتظر العالم الضربة الاسرائيلية على إيران لاستشراف مصير المنطقة، وسط مخاوف من اشتعال حرب إقليمية مدمرة، وبعد حصولها تنفست دول الشرق الأوسط الصعداء، بعدما تبين أنها ضربة محدودة، ولكنها أثارت في الرأي العام اللبناني انقساماً بين أفكار متناقضة، فالبعض وصف الضربات الاسرائيلية – الايرانية بأنها “مسرحية”، فيما اعتبر البعض الأخر أن أميركا استطاعت ضبط إيقاع الهجمات المتبادلة بين الطرفين، ورأى مؤيدو الممانعة في لبنان أن القوة التي تمتلكها إيران هي السبب في ردع اسرائيل عن توجيه ضربات مدمرة اليها.

إلا أن الأمر عبارة عن مزيج، فالهجمات المتبادلة بين الطرفين ليست مسرحية بالطبع، ولكن إيران كانت واضحة منذ اشتعال الحرب بعد 7 تشرين الأول أنها لا تريدها، بينما وجد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو فرصة لاستغلال “طوفان الأقصى” لتحقيق كل أحلام اسرائيل، إن كان في غزة ولبنان، أو بضرب البرنامج النووي الايراني، الذي ينادي به منذ عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما.

وفيما سمحت أميركا لنتنياهو بالتمادي في غزة ولبنان، إلا أنها وقفت سداً منيعاً بوجه طموحاته ضد إيران، وذلك يعود إلى سبب رئيسي هو عدم إنجرارها إلى حرب في الشرق الأوسط، بينما تتصارع مع الصين على زعامة العالم، والأخيرة تمنّي النفس بتوسع نفوذها دولياً، البعض منه أتى على حساب النفوذ الروسي بعد حرب أوكرانيا، بحيث لم تحسم موسكو الحرب بسرعة، وهو أمر آخر يقلق واشنطن بحيث لا يمكن لكييف أن تصمد من دون الدعم الأميركي وضغطها على حلفائها الأوروبيين، والذين بدأوا في الفترة الأخيرة يظهرون تذمرهم من استنزاف مواردهم لدعم صمود أوكرانيا.

وبالتالي الصراع في الشرق الأوسط هو لصالح الصين وروسيا، بل قد تتمنيان اندلاعه، لدرجة أن بعض المحللين اعتبر أن حرب غزة وإسنادها من “محور المقاومة” لا سيما لبنان حصل بالتوقيت الروسي – الصيني.

وتعلم أميركا جيداً أن الحرب مع إيران لا تنتهي بسرعة، وستأخذ وقتاً طويلاً، وقد تتطلب تحريك أصول عسكرية، من مناطق أخرى حول العالم وفق مجريات المعركة، ولذلك حرصت على كبح جماح نتنياهو، وسرّبت الخطط الاسرائيلية مسبقاً الى الإعلام، ما شكل رسالة واضحة لتل أبيب، أنه يمكنها اللعب وفق الخطوط الأميركية ومصالح واشنطن، لا أحلام عصر نتنياهو. ويبدو أن الرسالة وصلت بكل جدارة فنفذت اسرائيل ضربة محدودة يمكن أن تقبل بها الجبهة الداخلية، لا سيما أن الهجوم الايراني كان أشبه برسائل صاروخية أكثر مما هو انتقام، بحيث استهدفت الصواريخ الايرانية منصات دفاع جوي داخل القواعد الاسرائيلية وأراضٍ قربها، في مشهد اكتظت فيه السماء بالصواريخ، وبالتالي يمكن اعتبار الرد الاسرائيلي متناسباً مع “الوعد الصادق” الايراني، ولا يستدعي رداً من طهران.

إلا أن كل هذا لا يعني أن الحرب لن تندلع في المستقبلاذ اذ ان المناوشات بين الدول عادة ما تبدأ بهذا الشكل، وكما تبين في لبنان بالدليل القاطع، لا شيء اسمه “حرب بسقوف” لأن الحرب اشتعلت بعد نحو سنة من الضربات المتبادلة “تحت السقف”، ولا يمكن منع هذه الحرب إلا بمفاوضات تؤدي إلى تسوية في المنطقة وتوزع فيها المغانم، وهذا قد لا يكون ممكناً في إدارة “البطة العرجاء” الأميركية حالياً، في انتظار إدارة أصيلة، قد تكون إنجازها الأول، ولكن يبقى هناك تساؤل حول كيفية إدارة دونالد ترامب للأزمة كون أسلوبه لا يمكن التنبؤ به.

أما بالنسبة الى لبنان، وعلى الرغم من تفاؤل الكثيرين بعدما تبين أن الضربة الاسرائيلية لإيران أتت بهذا الشكل، وقد تكون مؤشراً على قرب نهاية الحرب، الا أنه لا يمكن فعلياً توقع ذلك، فوضع لبنان غير وضع إيران، بحيث تحول على مدى العصور إلى ساحة لصراعات الاقليم، وهو بعكس إيران مسموح اللعب فيه، وبالتالي هذه الحرب ووقفها لن يكونا بالأمر السهل، لا سيما أن الكفة تميل لصالح اسرائيل اليوم، ولن يقبل لا “حزب الله” ولا الرئيس نبيه بري أن يفاوضا من موقع ضعف.

وعلى الرغم من الحركة الديبلوماسية المتمثلة بالمبعوث الأميركي آموس هوكشتاين، إلا أنها على الأرجح أولى الخطوات على درب طويل، ولن تسرّعها إلا تطورات الميدان، الذي يبدو حتى اللحظة على معادلات 2006 نفسها، اسرائيل تتسيّد الجو، وتفشل في البر، ولذلك جيشها لا يثبت مواقع ولا يدخل بسرعة إلى عمق الجنوب، وذلك كي لا يتعرض إلى الخسارة نفسها التي تعرض لها في حرب تموز، ويبدو أنه سيحاول قضم الأراضي ولو متراً متراً بانتهاج سياسة الأرض المحروقة، فيدخل منطقة يفجرها ويتراجع، ومع ذلك يتعرض لخسائر ليست بالقليلة بالنسبة الى تاريخ الصراع، وهنا يطرح سؤالان كم سيصمد “حزب الله”؟ وما هو الرقم الذي سيصبح صعباً على الجبهة الداخلية الاسرائيلية تقبله؟

شارك المقال