وجاء الرد الاسرائيلي على الصواريخ الايرانية مناسباً كما أرادته الولايات المتحدة عشية انتخاباتها الرئاسية المزمعة في 5 تشرين الثاني المقبل، ليخرج كل فريق مبتسماً لما حققه من شيكات عسكرية بانتظار أن يقبض أثمانها السياسية في المصرف البيضاوي، ولا شك في أن قدر البلاد العربية والاسلامية أن تكون وقود مشاريع القوى الغربية وأدوات التنافس في ما بين وحوشها على النفوذ والهيمنة فيما تقف إسرائيل خلف كل خراب في العالم، فأي مكاسب نالتها واشنطن وتل أبيب وطهران؟
صورة ساخرة أراد الايرانيون تظهيرها إلى العالم لحظة تناثر الصواريخ الاسرائيلية التي زُعم أنها استهدفت مصانع عسكرية استراتيجية، بحيث خرج الشعب الايراني إلى الشوارع والشرفات ليقولوا للعالم إنهم يبحثون عن الرد الاسرائيلي وكأنهم يتساءلون عن مرماه للتقليل من شأنه وجعله لا شيء في الحسابات العسكرية وتالياً السياسية، لتخرج الحكومة الايرانية في اليوم التالي وتعلن عن اعتزازها بقدرات جيشها على التصدي للاعتداء الاسرائيلي الذي خاب في تحقيق أهدافه المرسومة له.
بين السخرية من الرد والاعتزاز بخلَّبيته تتجلى رسالة سياسية واضحة وهي الاكتفاء بالترويج للنصر الإلهي الذي تحقق في مواجهة العدو الاسرائيلي وختم ملف الرد والرد المضاد بالشمع الأميركي على اعتبار أنه رد باهت لا يستحق الرد تماماً كما فعل ملك الغربان، الذي لم يلتفت إلى تحذير خادمه من الدودة التي نخرت مملكته في شجرة النخيل ببطء شديد حتى سقطت على أعقابها بحيث إن التفاهم على ضبط عقارب الرد الاسرائيلي على إيران الذي جنّبها خسائر كبرى بمعنى مكسب عدم وقوع حرب لتخسر في المقابل موازين قواها في المنطقة أي “حزب الله” و”أنصار الله” وهو ما سيتبين على المدى البعيد، بالتالي حرمان بنيامين نتنياهو من فرصة اندلاع حرب شاملة يطمح إلى وقوعها وجر الولايات المتحدة إليها، مع الاشارة إلى أن الاعلام الايراني والممانع سيستمر في الضخ والتجييش لحتمية رد وحده الله يعلمه كيف ومتى.
على المقلب الآخر وتحت مسمى عملية “أيام الحساب”، استكمل جيش الدفاع الاسرائيلي مهاجمة أهداف عسكرية في مناطق إيرانية عدة رداً على الهجمات التي نفذها النظام الايراني ضد إسرائيل، بحيث أغارت طائرات سلاح الجو وبتوجيه استخباراتي على وسائل إنتاج صواريخ وأنظمة أرض – جو وقدرات جوية أخرى، معلناً إنجاز المهمة الدفاعية وتحقيق الأهداف العسكرية.
سياسياً، كان لرئيس وزراء العدو رزمة مكاسب عمل على تحقيقها أكثر من 6 أشهر بحيث عمل على ابتزاز إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن كان آخره في قضية الرد على إيران الذي أراده البيت الأبيض مدروس الخطوات والنتائج كي لا يؤدي إلى تفجر حرب شاملة في المنطقة من شأنها أن تقضي على احتمالات فوز مرشحة الادارة الديموقراطية الحالية كامالا هاريس، معلناً التواصل اليومي مع المرشح الجمهوري دونالد ترامب للإيحاء بالتنسيق معه ما يوجه ضربة قاصمة ذات حدين. ولا شك في أن نتنياهو كان له ما أراد من دعم عسكري مفتوح من الادارة الديموقراطية في حال عدم فوز ترامب، غطاء سياسي دافئ في شتاء المواجهات العسكرية المتعددة في الشرق الأوسط العاصف من غزة إلى الجنوب فاليمن وإيران، بالاضافة إلى ضخ بعض الدماء في شريان الاقتصاد الاسرائيلي المنهك بفعل الحرب الأطول التي تواجهها إسرائيل، في موازاة سعي أميركي إلى وقف إجراءات المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو وإدارته فهي وإن كانت لا تخيفه فعلى الأقل تؤلم رأسه في وقت يصب تركيزه على تطهير ما تبقى من بقايا فلسطين.
في العام 1980 قدمت الشحرورة صباح فيلم “ليلة بكى فيها القمر” يحكي قصة فنانة شهيرة استغلها فنان صاعد للوصول إلى الشهرة ثم خانها بعد تحقيق حلمه فانطفأ قمر ليلها حزناً. ليلةٌ هي نفسها كان لطهران وتل أبيب وواشنطن ما أردن في رد عسكري مدروس خلف أكياس رمل المكاسب السياسية لينطفئ وككل ليلة قمر فلسطين الذي يسير وحوش المصالح تحت ضوئه للوصول إلى ما يريدون، ولكن لا بأس فقد اعتاد الفلسطينيون البكاء منذ أواخر القرن الثامن عشر.


