حرب على الثقافة والتاريخ والذاكرة الجماعية

محمد شمس الدين
قصف على مدينة بعلبك

لا تستهدف اسرائيل بنى عسكرية في حربها على لبنان وحسب، وهي المعروفة أصلاً باعتماد نهج العقاب الجماعي في حروبها، فقد أضافت إليها هذه المرة ضرب الثقافة والتاريخ اللبناني، بحيث تستهدف مدناً أثرية عريقة، بأحزمة نارية تمحو تاريخها، بالاضافة إلى تدمير أحياء بأكملها ما يمكن عده محواً للذاكرة الجماعية لهذه المناطق.

أبرز هذه الاستهدافات الاسرائيلية كانت لمدينتي صور وبعلبك الأثريتين، والذي يعود تاريخهما الى آلاف السنين، وقد استهدفتهما اسرائيل بأحزمة نارية عنيفة، وضربت إحدى الغارات موقف قلعة بعلبك، الموجود تحته آثار لم تستكشف بعد. وفيما لم يعرف بعد ما إذا تضررت القلعة أو المعبدان داخلها، تحول مبنى المنشية، الذي يعود تاريخه إلى العصر العثماني إلى ركام، وتضرر أيضاً فندق “بالميرا” الأسطوري، الذي أقام فيه عدد من مشاهير التاريخ مثل الامبراطور الألماني فيلهلم الثاني، والجنرال شارل ديغول، ولورنس العرب وغيرهم الكثير.

أما صور، التي تعتبر سبب شهرة فينيقيا أساساً، فقد تعرضت لأحزمة نارية عنيفة، وهي التي يكاد يحتوي كل شارع من شوارعها على آثار قديمة.

وفيما هناك العديد من المواقع الأثرية معرض للخطر بسبب القصف الاسرائيلي، دمر الطيران الحربي أيضاً أحياء بكاملها في بعض المناطق بينما سويت قرى أخرى بأكملها بالأرض، ما يضرب الذاكرة الجماعية لسكانها.

وقد استهدفت اسرائيل مؤخراً سوق “الجمّال” في منطقة الشياح، ويعد أحد أقدم الأسواق في الضاحية الجنوبية لبيروت وأشهرها، بل قد يكون من الأكثر رخصاً لناحية الأسعار، ومن يقصده في الصباح الباكر يرى خلطة من كل أطياف الشعب اللبناني، لا سيما ربات البيوت من منطقة عين الرمانة المجاورة للشياح، كون السوق متنوعاً وأسعاره أرخص من غيره.

وفي النبطية محت الغارات الاسرائيلية سوقها الشهير، الذي عمره أكثر من 400 عام في جنوب لبنان، ويقصده الكثيرون ولا سيما محبو اللحوم التي يشتهر بها السوق.

وتشكل عيتا الشعب رمزاً جنوبياً للصمود والمقاومة، حيث جرت فيها معركة ضارية في حرب تموز 2006، ودمر فيها عدد من الدبابات الاسرائيلية، وقد اعتبرت ملحمة كتبت الأناشيد من أجلها.

وفي علما الشعب، دُمر جزء من وسط البلدة ومبانٍ يعود تاريخها إلى قرون عدة، وتعد نموذجاً نادراً للبناء الريفي في لبنان.

ويعتبر البعض أن التهديدات التي يتعرض لها التراث المحلي أكثر خطورة من تلك التي تتعرض لها المعالم الأثرية في بعلبك وصور التي يُسلَّط الضوء عليها، كالمساجد والكنائس والأسواق والأضرحة، بالاضافة إلى العشرات من المنازل القديمة التي دمرتها الحرب بالكامل.

وفق احصاءات محلية، تم تدمير 29 قرية بالكامل في جنوب لبنان، تشكل الشريط الحدودي بين لبنان والأراضي المحتلة، ما يعتبر تدميراً للأثر “غير المادي”، بحيث أن الذاكرة الجماعية تختفي مع اختفاء المعالم التي شكلتها، وحتى لو تمت إعادة ما دمر، فالحفرة في حائط مدرسة مثلاً تكون شاهدة على حوادث وأحاديث للتلاميذ، وكذلك الشجرة في الحي مثلاً، تمتلك ذاكرة جماعية لأهله، الذين كانوا يحتمون بظلها ويلعب الأطفال تحتها.

الحرب هذه المرة قد تكون مختلفة عن الحروب السابقة مع اسرائيل، التي تبدو نيتها اقتلاع الناس من جذورهم، وذلك عبر ضرب الامتداد التاريخي لهم في مناطقهم، وهذا أسلوب استخدمته تنظيمات كـ “داعش” و”طالبان”، ويعتبر محاولة لمحو الاَثار الثقافية والتاريخية، بالاضافة إلى محو الذاكرة الجماعية.

شارك المقال