احتفالات الأمل… كيف يعيد اللبنانيون الحياة إلى العيد؟

عمر عبدالباقي

في موسم الأعياد، يُظهر اللبنانيون تمسكهم الدائم بالفرح على الرغم من الأزمات الاقتصادية المتفاقمة التي ترخي بظلالها على جوانب حياتهم كافة. وبينما تتزين الشوارع بزينة الميلاد، يبقى المشهد العام مثقلاً بتحديات لا تخفي أثرها حتى على أبسط مظاهر الاحتفال.

مع حلول منتصف كانون الأول، بدا أن الزخم المعتاد في المجمعات التجارية قد تراجع بصورة ملحوظة، فلم تعد مواقف السيارات مزدحمة كما كانت في الأعوام السابقة، وساعات العمل في المحال التجارية باتت تقتصر على أوقات محددة، من دون التمديد إلى ما بعد العاشرة مساءً. ويُعزى ذلك إلى قرارات تجار تهدف إلى خفض التكاليف التشغيلية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المازوت المستخدم لتشغيل المولدات، وتجنب دفع بدلات إضافية للموظفين.

وعلى الرغم من الانخفاض الظاهر في الحركة، الا أن الإقبال على شراء الهدايا لا يزال كبيراً. بعض السلع نفد من الأسواق، ما اضطر الزبائن إلى التسجيل في قوائم انتظار للحصول على منتجات مثل العطور ومستحضرات التجميل والحقائب الفاخرة. واللافت أن هذه الطلبات لا تستوجب دفعات مسبقة، ما يعكس ثقة الزبائن بتسلم ما طلبوه لاحقاً.

الأزمة المصرفية أدت إلى تراجع استخدام البطاقات المصرفية، وأصبح الدفع النقدي الخيار الأول للمتسوقين. البعض لجأ إلى تقديم بطاقات هدايا مسبقة الدفع يمكن استخدامها في المجمعات التجارية، مع دفع قيمتها نقداً، ما يعكس التأثير العميق لفقدان الثقة بالقطاع المصرفي.

قطاع السهر والسياحة: بين النشاط والتحديات

على صعيد القطاع السياحي، رجح الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية جان بيروتي في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن يشهد قطاع السهر بعض النشاط، خصوصاً مع قدوم عدد من اللبنانيين المغتربين للاحتفال مع أحبائهم في بيروت، لكنه أشار الى أن “الواقع المرير لا يرحم، فحتى الهدنة وتأخير وقف إطلاق النار كان لهما تأثير سلبي عميق على القطاع، ما دفع العديد من المغتربين إلى تعديل خططهم، مفضلين قضاء الأعياد في دول أخرى بعيداً من لبنان. هذه التغييرات أدت إلى تراجع آمال القطاع السياحي في انتعاش سريع وملحوظ، ما جعله يواجه تحديات غير مسبوقة”.

مائدة الميلاد: فرص جديدة للأفراد

أما بالنسبة إلى التحضيرات لليلة الميلاد، فقد شهدت المؤسسات التي تبيع المواد الغذائية إقبالاً متزايداً، لكن مع تغييرات ملحوظة. المطاعم الكبرى سرعان ما أعلنت الوصول الى طاقتها الاستيعابية ورفضت استقبال طلبات إضافية، ما فتح الباب أمام المطاعم الصغيرة والأفراد العاملين في تقديم الطعام لتلبية الطلب المتزايد.

ومع كل هذه الظروف، يصر اللبنانيون على الاحتفال بالعيد كوسيلة للتغلب على المصاعب اليومية. فالأعياد ليست مجرد مناسبة موسمية، بل رمز لإرادة الحياة التي يتمسك بها اللبنانيون مهما كانت الظروف.

أسواق بيروت: التبرع بدل التزيين

لا يُذكر العيد في لبنان قبل معرفة الأجواء في أسواق بيروت، المعتادة إشراق الحياة والفرح. هذا العام، وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي مر بها لبنان، اختارت أسواق بيروت أن تُجسد روح التضامن من خلال التبرع بدلاً من التزيين لموسم الأعياد.

وفي حديثه لموقع “لبنان الكبير” أكد المدير العام لأسواق بيروت أديب النقيب، أن القرار جاء نتيجة للأحداث الصعبة التي شهدها لبنان العام الماضي، وخصوصاً في الأشهر الأخيرة التي عانت فيها البلاد من أزمات متتالية. وأوضح أن “هذا القرار يُعبّر عن وحدة لبنان وصموده”، مشيراً إلى أهمية التبرع في هذا الوقت العصيب.

وفي إطار هذه المبادرة، تم تحديد عدد من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الرائدة التي لعبت أدواراً محورية في الاستجابة للأزمات الأخيرة. ولفت النقيب الى أن المبادرة تشمل توزيع أكثر من 10,000 قطعة ملابس شتوية و1,100 مدفأة لدعم العائلات النازحة التي لا تزال تواجه ظروفاً صعبة.

بالاضافة إلى ذلك، تساهم أسواق بيروت في إعادة تأهيل معدات أساسية للدفاع المدني لضمان تجهيزه بصورة أفضل للاستجابة لأي طارئ. وتُظهر هذه الجهود التزام الأسواق العميق بالتضامن المجتمعي، مع التركيز على تقديم الدعم العملي وإظهار التعاطف في الوقت الذي تشتد الحاجة اليه.

ودعا النقيب الزوار إلى زيارة أسواق بيروت لاستكشاف العدد المتزايد من المتاجر، بما في ذلك الاضافات الجديدة، مؤكداً وجود حملة قريبة سيتم الاعلان عنها. بينما يسعى لبنان الى إعادة بناء نفسه، تظل أسواق بيروت إلى جانب شعبه، تروّج للأمل والوحدة من أجل غدٍ أفضل.

شارك المقال