تعد الكوليرا مرضاً معدياً تسببه بكتيريا Vibrio cholerae، وتصيب الأمعاء الدقيقة، ويمكن أن يؤدي إلى الجفاف الشديد والموت إذا لم يعالج بسرعة. وفي الآونة الأخيرة، شهد السودان وغزة تفشياً كبيراً لهذا المرض، ما يعكس تأثير الحروب المستمرة وانعدام مقومات الحياة الأساسية.
من أعراض الكوليرا الاسهال الشديد الذي قد يكون مائياً ما يؤدي إلى فقدان سريع للسوائل، القيء وقد يحدث بصورة متكررة، الجفاف الشديد نتيجة فقدان السوائل، ويؤدي إلى انخفاض ضغط الدم وزيادة معدل ضربات القلب والشعور بالدوار، اضافةً إلى التقلصات العضلية بسبب فقدان الأملاح والمواد المعدنية ترافقها حمى خفيفة.
تعتبر المياه الملوثة المصدر الرئيسي لانتشار الكوليرا، ويمكن أن يحدث التلوث بسبب الصرف الصحي غير الكافي، استخدام مياه ملوثة في الزراعة، عدم معالجة مياه الشرب، وفي المناطق التي تعاني من ضعف في البنية التحتية للصرف الصحي والمياه. ويعوق استمرار النزاع في بعض البلدان توفير الرعاية الصحية اللازمة، ما يجعل من الصعب السيطرة على تفشي الأمراض.
من أبرز هذه البلدان السودان الذي يعاني من أزمات إنسانية متعددة بسبب النزاعات المسلحة التي دامت لسنوات، وتؤدي إلى تدمير البنية التحتية الأساسية، مثل شبكات المياه والصرف الصحي، ما يزيد من خطر انتشار الأمراض. وفي المناطق التي تعرضت للاقتتال، يصبح الوصول إلى المياه النظيفة أمراً نادراً، الأمر الذي يدفع السكان الى الاعتماد على مصادر المياه الملوثة.
علاوة على ذلك، فإن حركة النزوح الجماعي للسكان تساهم في تفشي الكوليرا، بحيث يتم تجميع النازحين في مخيمات تفتقر إلى النظافة والمرافق الصحية. ومع استمرار النزاع، تتعذر جهود الاغاثة وتوفير الخدمات الصحية اللازمة، ما يؤدي إلى تفشي المرض بصورة أكبر.
وفي العام 2024 أعلنت وزارة الصحة الفيدرالية السودانية عن تفشي وباء الكوليرا بعد الإبلاغ عن موجة جديدة من الحالات، بلغت 8,457 حالة إصابة و299 حالة وفاة في ثماني ولايات في السودان حينذاك.
وقال ممثل “اليونيسف” في السودان شيلدون ييت إنّ “الأمطار الغزيرة والفيضانات، يمكن أن تنشر الأمراض بسرعة أكبر وتؤدي إلى تفاقم التوقعات الصحية بالنسبة الى الأطفال في الولايات المتضررة وخارجها”.
ولا يشمل الأمر الكوليرا وحسب، فالسودان يشهد حالات تفشي أمراض متعددة بما في ذلك الملاريا وحمى الضنك والحصبة. كما أن تدهور الوضع الغذائي للعديد من الأطفال فيه يعرضهم لخطر أكبر.
أما غزة، التي تعاني من الحصار والاعتداءات المتكررة، فتعاني أيضاً من تفشي الكوليرا. وأثر الحصار المفروض على القطاع بصورة كبيرة على القدرة على توفير المياه النظيفة والمواد الغذائية الأساسية. كما أن تدهور البنية التحتية الصحية وغياب الخدمات العامة يجعل من الصعب السيطرة على تفشي الأمراض.
وتتفاقم المشكلة بسبب انقطاع التيار الكهربائي المتكرر، ما يؤثر على تشغيل محطات المياه ومعالجة الصرف الصحي، كما أن النفايات غير المعالجة تُصرف في المجاري المائية، الأمر الذي يزيد من خطر الاصابة بالكوليرا.
وكانت المتحدثة باسم الهلال الأحمر الفلسطيني نبال فرسخ حذرت من انتشار أمراض أخرى بسبب المياه الملوثة في القطاع، وقالت: “لدينا مخاوف من انتشار مرض الكوليرا بسبب المياه الملوثة في قطاع غزة”.
وحذرت منظمة الصحة العالمية، من تفاقم الأزمة الصحية في الضفة الغربية، حيث تؤدي القيود الصارمة والعنف والهجمات على المرافق الطبية إلى تعقيد الوصول إلى الرعاية. كما وجهت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” تحذيراً من تزايد مخاطر تفشّي الكوليرا في غزة، لا سيما في ظل شح المياه النظيفة والحرارة المرتفعة.
في هذا السياق، أوضح مصدر من وزارة الصحة في غزة لـ”لبنان الكبير” أنّ “الكثير من المواطنين في غزة يعيش في ظروف قاسية، مع نقص في الماء الصالح للشرب والغذاء، ما يزيد من المعاناة. ويتعرض السكان لضغوط نفسية كبيرة بسبب استمرار النزاع، ما يؤثر على صحتهم النفسية والعقلية”.
وقال: “في هذه الأرض المحاصرة، منذ سنوات عديدة، نواجه تحديات يومية تزداد صعوبة. واحدة من أكبر المشكلات التي نواجهها هي نقص المياه، فالمياه النظيفة أصبحت حلماً بعيد المنال للكثيرين منا، بحيث نعتمد على مصادر محدودة وغير موثوقة. هذا النقص في المياه يؤثر بصورة مباشرة على صحتنا، والعديد من العائلات يضطر الى استخدام مياه غير صالحة للشرب، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية مثل الكوليرا والتيفوئيد”.
وأكد أن “الأطفال هم الأكثر تأثراً، بحيث يفتقرون إلى الرعاية الصحية اللازمة، ويشكل ذلك خطراً حقيقياً على حياتهم”، موضحاً “اننا نرى العائلات تتجمع حول صهاريج المياه، في انتظار دورها للحصول على بضع قطرات من الماء. وفي بعض الأحيان، لا يكفي الماء حتى للاستخدام اليومي، ما يضطرنا إلى اتخاذ قرارات صعبة حول كيفية البقاء على قيد الحياة”. وطلب من الجميع “أن يسمعوا صوتنا، وأن يتفهموا معاناتنا، فنحن بحاجة إلى الدعم”.


