بينما لا تزال شوارع لبنان تئنّ تحت وطأة فوضى النقل العشوائي، جاء صباح الثلاثاء بمشهد استثنائي حمل ملامح المستقبل وسط زحمة الأمس. باص قرمزي اللون، متوسط الحجم، ركن بثقة في ساحة شتورا، وكأنه إعلان غير معلن عن بدء مرحلة جديدة في مشهد النقل العام، الذي لطالما غاب عن الذاكرة الرسمية والشعبية على حدّ سواء.
هذا الباص وصل بهدوء، وبصمت. تسلّل إلى الشارع من خلال منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنه يريد أن يختبر الشارع قبل أن يفرض نفسه عليه.
وفيما استقبل المارة المشهد بدهشة، كان الانزعاج أكثر وضوحاً في عيون سائقي الفانات. فهم يدركون أن هذا الباص “الرسمي” المختلف قد يشكّل تهديداً حقيقياً لاحتكارهم الخط.
تعمل الباصات يومياً من السادسة صباحاً حتى السابعة مساءً، وتتحرك كل 20 إلى 25 دقيقة حسب زحمة السير. أما التعرفة، فهي 100 ألف ليرة من بيروت إلى بحمدون، و200 ألف ليرة من بيروت إلى شتورا، أو من عاليه إلى شتورا.
لكن المشروع لا يزال في أيامه الأولى، وما يجري حالياً هو أشبه بتشخيص ميداني لتفاصيل الخط. تُراقب المدة الزمنية التي تستغرقها الرحلة في أوقات الذروة، وتُحتسب نقاط التوقف المثلى لخدمة الركاب، بهدف تحديد عدد الباصات المطلوبة لتأمين انتظام الحركة ومعالجة أي عقبات قد تطرأ خلال هذه المرحلة التجريبية.
في العام 2024، أطلقت وزارة الأشغال العامة والنقل خطة طموحة لإعادة إحياء النقل المشترك في لبنان. الخطة، وإن بقيت محدودة النطاق، شكّلت بداية لتحريك المياه الراكدة. تم تشغيل الحافلات بالتعاون مع القطاع الخاص، عبر خصخصة التشغيل من خلال مزايدة عامة فازت بها شركة “الأحدب”، التي تلتزم بتقديم 10% من الايرادات للدولة قبل حسم نفقاتها التشغيلية. في بلد يعاني من انهيار الخدمات، بدت هذه الخطوة كفسحة أمل… ولو متأخرة.
نصر: لا نحارب أحداً بل نخدم الناس
المدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك زياد نصر، أشار في حديث لموقع “لبنان الكبير”، إلى أن هذه الانطلاقة تمثّل بداية مرحلة جديدة، موضحاً “أننا بدأنا اليوم فعلياً تشغيل الخط من البقاع باتجاه بيروت. هذا جزء من خطة موسّعة وضعتها الوزارة سابقاً وبدأ تنفيذها تدريجياً من الجنوب والشمال، وها نحن اليوم نصل إلى البقاع”.
ورداً على سؤال حول التحديات على الأرض، خصوصاً في ظل وجود عدد كبير من الفانات العاملة عشوائياً على الخط نفسه، قال نصر: “من الطبيعي أن يرافق أي مشروع إصلاحي بعض التحديات، والفانات الخاصة لا تزال موجودة وتحاول المنافسة، لكننا نعمل بتنسيق كامل مع قوى الأمن الداخلي، والسلطات المحلية، وحتى المحافظين، لضبط أي مخالفة أو تعدٍّ على الباصات. حتى الآن الأمور تحت السيطرة، ولم نشهد حوادث مقلقة”.
وأضاف: “نحن لا نحارب أحداً، بل نقدّم خدمة بديلة ومنظّمة ومريحة للناس. العاملون في القطاع الخاص يقومون بدورهم ضمن صلاحياتهم، لكن لا يحق لأحد أن يعتدي على الباصات أو يهدد سلامة الركاب”.
وفي ما يخص غياب الاعلان الرسمي عن انطلاق الخط، عزا نصر السبب إلى الظروف الاستثنائية التي مرّ بها البلد، لافتاً الى “أننا كنا نجهّز العام الماضي، وتحديداً حين أُطلقت خطوط الجنوب والشمال، لحملة إعلامية ضخمة ومؤتمر رسمي للإعلان عن الخطوط الجديدة، لكن للأسف، الأحداث الأمنية والحرب على غزة أثّرت على لبنان وفرضت تأجيل الحملة. ومع ذلك، أصدرنا تصريحات وأكدنا أننا مستمرون، وها نحن اليوم نثبت ذلك على الأرض”.
وشدد على أن الاعلان الرسمي سيجري قريباً، مؤكداً “أننا نعد حالياً لإعلان موسّع يشمل كل الخطوط التي دخلت حيز التشغيل، من صور إلى طرابلس إلى البقاع. نحن نؤسس لخدمة نقل عام حقيقية، وهي خطوة لن نتراجع عنها، مهما كانت التحديات”.


