رعب بصوت الهاتف… اتصالات مزيفة للاخلاء في الجنوب

فاطمة البسام

عادت إلى الواجهة مؤخراً ظاهرة الاتصالات المفبركة التي يطلقها أشخاص عديمو المسؤولية، يطلبون فيها من السكان إخلاء منازلهم بحجة قرب تعرّضها للقصف، تماماً كما كان يحدث خلال فترات الحرب. هذه الحالة تكررت خلال الأسبوع الحالي أكثر من مرة في مناطق مختلفة، من بينها النبطية، زقاق البلاط، وآخرها في منطقة الرويس، ما أدّى إلى حالات هلع واسعة قبل أن يتبيّن أن الأمر مجرد “مقلب” سخيف قد يؤدي إلى أذى نفسي وجسدي حقيقي.

ففي النبطية مثلاً، وبعد تعرّض أطراف البلدة لحزام ناري إسرائيلي، انتشر على الفور تسجيل صوتي مجهول المصدر، يطلب من الناس إخلاء السوق التجاري في وسط البلدة، ما خلق حالة من الرعب والبلبلة في صفوف السكان الذين نزلوا إلى الشوارع في مشهد يُذكّر بأيام القصف والخوف. وبعد وقت قصير، تبيّن أن مصدر التسجيل مجرّد “ولد” أراد أن يتسلى، وكادت الكارثة النفسية المصغّرة أن تتحول إلى فوضى حقيقية لولا تدخّل القوى الأمنية، التي حضرت إلى المكان وفتحت تحقيقاً لمعرفة مصدر التسجيل ومحاسبة المسؤول عنه.

ما حصل في النبطية وغيرها من المناطق ليس مجرد حادثة عابرة، بل مؤشر خطير على هشاشة الوضع النفسي لدى الناس في ظل حرب مستمرة، وعلى مدى سهولة التلاعب بخوفهم عبر تسجيل صوتي أو اتصال مفبرك. ففي بلد يعيش على حافة الانفجار الدائم، لا يحتاج الناس إلى مزيد من الذعر المُصطنع، بل إلى حماية، طمأنة، ومحاسبة جدّية لمن يعبث بأعصابهم بذريعة “المزاح”.

ما جرى يُعيد فتح النقاش حول مسؤولية الأفراد من جهة، وجاهزية الأجهزة الأمنية في تتبع مصادر هذه الرسائل ومنع تكرارها من جهة أخرى، خصوصاً في زمن لم تعد فيه الإشاعة بحاجة الى أكثر من كبسة زر لتصبح واقعاً مرعباً.

الصحافي من بلدة النبطية، طارق مروة، قال لموقع “لبنان الكبير”: “الليلة الماضية، وبعد الغارات التي طالت محيط مدينة النبطية، تحديداً في مناطق كفرتبنيت وكفررمان وأحراج المباطية، سادت أجواء من الهلع في أوساط السكان بسبب دوي الانفجارات القوي، نظراً الى كون الجبل يطلّ على عدة بلدات”.

وأضاف: “تسبب ذلك في حالة من الفوضى، فأُخرج الطلاب من المدارس على عجل، وازدحمت الطرقات، كما حضرت سيارات الإسعاف إلى بعض المدارس لمعالجة حالات هلع، نُقل بعضها إلى المستشفى. وأكدت وزارة الصحة أن معظم الإصابات التي تم تسجيلها كان ناجماً عن الخوف والذعر”.

وأكد مروة أن “ما زاد الوضع سوءاً هو انتشار تسجيل صوتي يزعم وجود تهديد باستهداف محل حلوى الصفة قرب دار المعلمين في النبطية، ما أثار موجة هلع إضافية بين الأهالي. تواصلنا فوراً مع إدارة المحل التي نفت تماماً صحة الخبر، وقمنا بدورنا بنشر توضيحات على مجموعات إعلامية وإخبارية لتكذيب التسجيل، والتأكيد أن لا صحة له”.

وأشار إلى أن “القوى الأمنية توجهت مباشرة إلى الموقع وفتحت تحقيقاً لتحديد مصدر التسجيل، لكن لم تردنا لاحقاً معلومات إضافية عن توقيف الفاعل. المهم أننا عملنا على تهدئة الناس ومنع تفاقم حالة الخوف، لأن التهويل في هذه الظروف قد يؤدي إلى كارثة حقيقية”.

متابعة أمنية للاتصالات المفبركة
وأوضح مصدر أمني لموقع “لبنان الكبير” أن “الاتصالات المفبركة التي تثير الهلع بين الناس تتابعها الأجهزة المختصة، ونحن بدورنا ننشر باستمرار بيانات تحذّر من تداول الشائعات أو نشرها، لما لها من أثر سلبي كبير على الأمن المجتمعي”.

وأضاف المصدر: “نقوم بواجبنا الأمني في تعقّب هذه الحالات، إلا أن البت بالعقوبات المناسبة يعود إلى القضاء المختص، وهو من يقرّر مصير الأشخاص المتورطين في هذه الأفعال”.

وأشار إلى أن “بعض هذه الاتصالات يصعب تعقّب مصدره لأنه يصدر عن جهات خارجية، فيما يكون بعضها الآخر محلياً، إما بدافع المزاح غير المسؤول أو نتيجة سوء فهم”، مشدداً على “ضرورة التبليغ الفوري عن أي اتصال من هذا النوع، حتى لا تتسبب الإشاعة بحالة هلع أو أذى فعلي بين المواطنين”.

قانونياً: العقوبة قد تصل إلى السجن
من الناحية القانونية، أوضح أحد المحامين في حديث لـ”لبنان الكبير” أن “بث أخبار كاذبة أو مفبركة تؤدي إلى إثارة الذعر بين المواطنين يُعتبر جريمة يُعاقب عليها القانون اللبناني وفقاً للمادتين 317 و388 من قانون العقوبات، حيث يمكن أن تصل العقوبة إلى السجن من شهر إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى الغرامة المالية”.

وأكد أن “هذه الإشاعات اذا تسببت في حالات هلع أو أضرار جسدية أو مادية، فقد تُعتبر الجريمة مشددة، ويُحمَّل الفاعل كامل المسؤولية، خصوصاً إذا ثبت أنه قام بالفعل عن سابق تصور وتصميم”، مشدداً على أن “التهويل في زمن الحرب أو الخطر الأمني لا يُعد مزحة، بل جريمة تمسّ السلم الأهلي، ما يستوجب الملاحقة القضائية الصارمة منعاً لتكرارها”.

شارك المقال