في التاسع من تموز المقبل، تدق ساعة الحقيقة للآلاف من طلاب الشهادة الثانوية في لبنان. يومٌ حددته وزارة التربية لإجراء الامتحانات الرسمية، وكأن شيئاً لم يكن.. وكأن الحرب لم تمر، ولا الانهيار الاقتصادي ضرب البيوت، ولا الطلاب عاشوا عاماً كاملاً خارج الصفوف، داخل الأزمات.
لكنّ الحقيقة مختلفة، فهي تصرخ في وجوهنا من أمام وزارة التربية حيث احتشد المئات من طلاب الثانوية العامة، منذ ساعات الصباح الأولى، حاملين معهم وجعهم، تعبهم، وخوفهم. لم يأتوا طلباً لعفو أو شهادة مجانية، بل طالبوا بالعدل، بالإنصاف، وبمقاربة واقعية للواقع المرير.
يقول الطلاب: نحن لسنا ضد الامتحانات، نحن مع التعليم الحقيقي، مع الجهد والمثابرة. لكن كيف ندرس وذاكرتنا محاصَرة بالقذائف؟ كيف نحفظ والمنازل منهارة، والمكتبات مغلقة، والكهرباء غائبة؟ كيف نقرأ والقلق يسكن البيوت؟
الطلاب: “بدنا ننجح بس مش نندفن تحت المناهج”
في مشهد يختصر مأساة جيل، عبّر عدد من الطلاب لـ”لبنان الكبير” عن أوجاعهم بكلمات تلامس القلب. تقول رنا (17 عاماً) فرع علوم الحياة: “نحنا مش طالبين نلغي الامتحانات، نحنا طالبين نعيشها بعدل. السنة كانت صعبة والظروف الأمنية كانت قاهرة”.
كريم (18 عاماً) – فرع الاجتماع والاقتصاد: “بدنا مواد اختيارية متل باقي الدول. نحنا ما اخترنا الحرب، بس عم ندفع تمنها كل يوم.”
ميرا (18 عاماً) – فرع علوم عامة: “أنا ما فتت على صفي من شهر تشرين، كل دراستي أونلاين وبدون صوت واضح. بدكن نحفظ 13 مادة؟ كيف؟ وأساساً اذا بدي أعمل هندسة شو بتفيدني مادة متل التاريخ؟”.
بين الوزيرة والطلاب.. امتحان أخلاقي
الطلاب لا يعارضون التعليم، بل يطالبون بتكييفه مع واقعٍ استثنائي لا يشبه أي عام دراسي مرّ من قبل. التمسك بجميع المواد من دون تقليص أو اختيار، هو تجاهل صارخ لما عاشه ويعيشه الطلاب من ضغوط نفسية ومادية.
الأستاذ محمد ديب، المدرّس وصاحب المحتوى التعليمي المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي، وجه عبر لـ”لبنان الكبير”، رسالة مباشرة إلى وزيرة التربية، معبّراً عن موقفه وموقف عدد كبير من الطلاب والأساتذة، في وقفة تضامنية تربوية نظّمت في ظل الظروف الصعبة التي يمرّ بها لبنان.
وقال ديب: “نحن اليوم هنا استجابةً لنداء طلاب لبنان، ولنعبّر عن مطالب أساسية لم تعد تحتمل التأجيل. نطالب بإدراج المواد الاختيارية ضمن المناهج التعليمية، وبإجراء تقليص حقيقي وجذري للمحتوى الدراسي. هذه السنة كانت من أصعب السنوات التي مرّ بها لبنان على الإطلاق، إذ تسببت الحرب في دمار واسع طاول نصف البلاد، وهجّرت نصف الشعب، ما ترك آثاراً نفسية عميقة على الطلاب، لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها وكأن شيئاً لم يكن”.
وأوضح أن “المنهج التعليمي القائم لم يشهد أي تعديل فعلي منذ سنوات طويلة، وما زال يعتمد بصورة أساسية على أسلوب الحفظ والتلقين، في وقت تتجه فيه كل دول العالم نحو مناهج تفاعلية، تشجع التفكير النقدي والإبداعي، وتواكب العصر”، معتبراً أن “المواد الاختيارية ليست ترفاً، بل هي عنصر محوري في تطوير المناهج، حتى في الأوقات الطبيعية. فكيف بنا اليوم، في ظل الأزمات المتتالية؟ هذه المواد تساهم في رفع مستوى التعليم لأنها تتيح للطالب أن يتجه باكراً نحو التخصص الذي يرغب به، سواء كان في مجالات الطب، أو الأدب، أو غيرها”.
ورأى أن “من غير المنطقي أن يُجبر الطالب على دراسة 13 مادة في ظروف لاإنسانية، وسط أزمات نفسية واقتصادية خانقة. لا بد من إعادة النظر في هذا النظام، رحمةً بالطلاب ومستقبلهم”.
محفوض: لسنا مع المواد الاختيارية
وفي صورة معارضة ووجهة نظر تخالف ما تتم المطالبة به، أكّد نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض، في حديث لموقع “لبنان الكبير”، رفضه لمقترح إدخال المواد الاختيارية إلى الامتحانات الرسمية، مشيراً الى أن لبنان مرّ بظروف استثنائية عديدة خلال السنوات الماضية، ومع ذلك لم تتوقف العملية التعليمية ولا توقفت الشهادات الرسمية.
وقال محفوض: “مررنا بجائحة كورونا، بانهيار اقتصادي غير مسبوق، بانفجار مرفأ بيروت، وبحرب مؤخراً، وكلها ظروف استثنائية وضاغطة لم يشهد لبنان مثيلاً لها منذ أكثر من عشرين عاماً، وعلى الرغم من ذلك، التعليم لم يتوقف، والشهادات لم تتأخر. نحن اليوم لا نناقش إلغاء الامتحانات، بل هناك من يطرح إدخال مواد اختيارية أو تقليصاً إضافياً في شكل الامتحان، وكأن المطلوب جعل الامتحان أسهل أو أقل شمولاً.”
وأضاف: “بالنسبة الى المواد الاختيارية، نحن لسنا مع هذا الطرح. الامتحان يجب أن يكون موحداً وشاملاً، لأنه يعكس مستوى الطالب الحقيقي ويضمن عدالة التعليم للجميع. أما تقليص المناهج، فقد حصل بالفعل، ليس مرة واحدة بل ثلاث مرات خلال السنوات الماضية. مناهج مثل الرياضيات والعلوم خضعت لتعديلات واضحة، وأنا كأستاذ رياضيات أؤكد أن المنهج اليوم مختصر بصورة كبيرة مقارنة بالسابق.”
وشدد على أهمية الحفاظ على مستوى الشهادة اللبنانية وجودتها، معتبراً أن “المرحلة دقيقة، ولكن المطلوب هو دعم الطلاب نفسياً وأكاديمياً، لا ضرب المعايير التعليمية بحجّة الأزمات. علينا أن نواجه الصعوبات، لا أن نهرب منها.”


