سجّل النّزاع العقاريّ القائم بيْن قضاءيّ الضنّية (بلدة بقاعصفرين) وبشرّي حول ملكيّة القرنة السوداء، تطوّرات خطيرة وغير متوقّعة خلال الساعات الأخيرة، حين أصدر القاضي العقاري شمالاً بتاريخ 24 حزيران 2025، قراراً يقضي بتأكيد ملكيّة القرنة السوداء لبشرّي، ما أدّى إلى حدوث حالة من الاحتقان (المناطقيّ والطائفيّ)، خصوصاً بعد نشر النّائبة ستريدا جعجع بياناً اعتبرت فيه أنّ القرار “يُحقّ الحقّ لبشرّي، ويُظهر أنّ القرنة السوداء تقع ضمن نطاقها الجغرافيّ”.
“البشرّاوية” الذين رحّبوا بالقرار واعتبروا أنّه يستند إلى وثائق قانونية، خرائط عقارية وعمليات مسح سابقة، لا يعرفون أنّ أهالي الضنّية يحملون أيضاً المستندات والخرائط الرسمية والدقيقة الصادرة عن الجهات المختصّة التي تُثبت أحقّيتهم بأرضٍ لا يتنازع الطرفان عليْها منذ أعوام (خصواًا في بداية الصيف) من أجل المشكلات العقارية أو جرّ المياه فحسب، بل لتحتفظ كلّ جهة بكرامتها في قضيةٍ لم تكن سهلة على الاطلاق، بل كانت خاضعة لاحتمال إشعال الفتنة من خلالها في أيّة لحظة بعد وقوع مشكلات دموية سنوياً تُسقط ضحايا يتقاذف الطرفان بسببهم التهم والمسؤوليات.
ومنذ لحظة إصدار القرار، “اشتعلت” البيانات الصحافية الصادرة عن النواب، بعض الأحزاب كـ “الجماعة الاسلامية”، البلديات والمحامين المتابعين لهذا الملف منذ أعوام. وبعد إصدار جعجع بيانها، رد عليها النّائب جهاد الصمد، في بيان أكد فيه أنّ “تصريحها يفتقد الدقّة القانونية، إذْ فسّرت قرار القاضي العقاري في منطقة لبنان الشمالي على غيْر واقعه”، مشيراً الى أنّ “أمين السجل العقاريّ في لبنان الشماليّ سبق أنْ أصدر في العام 2014 قراراً بعد الكشف وتكليف مسّاحين، بأنّ القرنة السوداء تقع ضمن النطاق العقاري لبلدية بقاعصفرين في الضنية”، لتردّ عليه جعجع ببيان آخر دعته فيه إلى “احترام السلطة القضائية، وعدم محاولة تفسير القرارات خلافاً لمضمونها”.
تراشق البيانات على المستوى السياسيّ، كان موجوداً على المستوى الشعبيّ أيضاً، بحيث عمد المواطنون من الجهتيْن إلى ممارسة بعض “الزكزكات” التي استفزّت الكثير منهم وذلك في مشهديةٍ متوقّعة بيْنهما، يأمل المتابعون عدم تطوّرها إلى إشكالات مسلّحة أو تعدّيات، خصوصاً في ظلّ الحديث عن اتخاذ إجراءات قانونية وقضائية تسعى إلى إبطال القرار والتحرّك ضدّ تنفيذه.
ويُجمع المتابعون على أنّ أيّ قرار يصدر بهذا الملف تحديداً، سيكون حساساً للغاية، “وقد يصبّ الزيت على النّار في حال عدم تدارك انعكاساته المناطقية والطائفية على الطرفيْن المتنازعيْن”.
ويُوضح مرجع قضائيّ لـ “لبنان الكبير” أنّ نشر البيانات التي يستغل فيها سياسيّون، مثل النّائبة جعجع، أسماء الضحايا الذين سقطوا بسبب هذا النّزاع لدعم وجهة نظر قضائية، “تصرّف غير سليم أو شريف، لكنْ عملياً، إنّ القرار الذي صدر اليوم (أمس) لا يُعدّ نهائياً، والنّزاع سيبقى قائماً بيْن الطرفيْن، ويحتاج إلى بتّ قضائيّ عبر القضاء العقاريّ تحديداً الذي أصدره، ويُمكن الطعن به”، محذّراً من استغلال بعض السياسيين هذه القضية لإثارة النّعرات التي تصبّ لمصلحته.
وعن القرار، يعتبر المرجع أنّه بدائيّ وذلك من النّاحية الاجرائية، “وهو قابل للطعن ضمن المهل القانونية المحدّدة، وذلك أمام القاضي العقاري نفسه، ويُمكن إثارة الكثير من المسائل والدفوع الشكلية والبحث في الخرائط التي اعتُمدت، ومن الضروريّ للغاية البدء باعتماد دراسة موضوعية ودقيقة لتُحدّد مسار القضية”.
ويؤكد أنّ “القضية صعبة بسبب المسح العقاري المعقّد والعالق منذ الستينيات، كما أنّ حديث البعض سابقاً عن اللجوء إلى تقديم الخرائط المزوّرة كما يُقال في القضية، يطرح أهمّية الدقّة التي لا يُمكن أنْ تحدث بقرارات بسيطة لا ترتقي الى حجم الأزمة، مثل القرار 86/2023 الذي أصدره رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، وقضى بتشكيل لجنة لدرس مسألة النّزاعات بيْن الحدود العقارية والنّزاعات على المياه في أكثر من منطقةٍ عقارية (منها الضنّية- بشرّي)، وغيرها من القرارات التي لا يُؤخذ بها وستبقى حبراً على ورق مهما حاول السياسيّون تبهيرها أو تثبيتها بحملات إعلامية”.
ويشير مرجع بلديّ عبر “لبنان الكبير” إلى أنّ صلاحيات القاضي العقاري (الذي أصدر قراراً يتناقض مع وثائق الضنية) لا تصل إلى تحديد حدود الأقضية أو تعديلها، لأنّ حدودها تُحدّد بقانون يصدر عن مجلس النواب فقط لا غير، معتبراً أن “على نواب الشمال عموماً والضنية خصوصاً التحرّك سريعاً لمنع عملية السلب التي تحدث، فالقضية لم تنتهِ بعد، لكنّها ستنتهي بإهانة وخضّة شعبية إنْ لم تتحرّك الفعاليات وتُفعّل دورها سياسياً كما فعّلته المناطق الأخرى لمصلحتها”.


