“مضطرة أنقل بناتي من المدرسة، ما عدت قادرة على تحمّل هالمبالغ”… بهذه الكلمات عبّرت إحدى الأمهات عن ألمها، ملخّصة معاناة مئات العائلات في منطقة البقاع، بعد أن رفعت المدارس الخاصة أقساطها للعام الدراسي المقبل بنسبة تصل إلى 30%، في ظل ظروف اقتصادية خانقة.
السيدة التي لديها ثلاث بنات في صفوف الخامس والثامن والتاسع، أكدت في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن المدرسة رفعت القسط بذريعة زيادة رواتب المعلمين، لكنها في الوقت نفسه كانت قد تقدّمت بطلب توظيف في المدرسة نفسها، لتُفاجأ بأن الراتب المعروض للمعلمة لا يتجاوز 300 دولار شهرياً، في حين أن إحدى المعلمات التي تعمل منذ أكثر من 20 عاماً لا يتعدى راتبها الـ 600 دولار.
ووفق التفاصيل التي كشفتها، فإن القسط الجديد لكل تلميذة بلغ 1800 دولار، يُضاف إليه 200 دولار بدل تسجيل، و200 دولار لوازم المدرسية، فضلاً عن 33 مليون ليرة لبنانية نقداً، وذلك من دون احتساب تكلفة الكتب والزي المدرسي وخدمة النقل. أمام هذه الأرقام، وجدت الأم نفسها مجبرة على نقل بناتها إلى مدرسة خاصة أخرى ضمن المنطقة نفسها، لا يتجاوز قسطها السنوي 800 دولار، وتتمتع بمستوى أكاديمي عالٍ، وتُسجّل عادة نتائج مميزة في الشهادات الرسمية، حتى أن تلاميذها غالباً ما يحصدون المراتب الأولى على مستوى البقاع. وتشير إلى أن هناك عشرات العائلات الأخرى اتخذت القرار نفسه.
وبحسب معلومات خاصة حصل عليها “لبنان الكبير”، فإن المدرسة المعنية كانت تضم أكثر من 100 تلميذ سوري، إلا أنهم جميعاً غادروا بعد إصدار المدرسة تعميماً بعدم قبول أي تلميذ لا يحمل إقامة رسمية، وسارعت المدرسة لاحقاً إلى رفع الأقساط لتعويض النقص المالي الناتج عن انسحاب هؤلاء التلامذة.
المفارقة أن المدرسة نفسها أبلغت الأهالي أنها ستعتذر عن تسجيل أي تلميذ لم يسدّد كامل القسط السابق، متجاهلةً أن عدداً كبيراً من الأهالي دأب على الدفع بالتقسيط، خصوصاً أولئك الذين مضى على أولادهم سنوات طويلة في المدرسة، كما أن لجنة الأهل لم تُفعّل منذ أكثر من عامين، ولم يُعقد أي اجتماع حقيقي، ما جعلها مجرّد هيئة شكلية من دون أي دور فعلي.
في مدرسة خاصة أخرى ضمن البقاع، تحدّث أحد أولياء الأمور، وهو أب لطالبين في الصفين الأول والرابع، باسم أكثر من 100 ربّ أسرة، قائلاً: “كان القسط العام الماضي 20 مليون ليرة، واليوم أصبح 40 مليوناً، أما القسط بالدولار فارتفع من 950 إلى 1100 دولار، أي بنسبة 32% تقريباً، من دون أي إبلاغ مسبق من المدرسة، وتمنينا من لجنة الأهل ألا توافق على هذه الزيادات”.
اللافت وفق قوله، أن إدارة المدرسة بررت الزيادة بأن 80% منها مخصصة لتحسين رواتب المعلمين، لكن المفاجأة كانت حين شجعت بعض المعلمات الأهالي على التحرك، لأن الزيادة على رواتبهن لم تتجاوز الـ 50 دولاراً فقط.
ويشرح الأب الحسابات قائلاً: “في المدرسة نحو 600 تلميذ، وإذا أضفنا 400 دولار على كل قسط، فهذا يعني 240 ألف دولار إضافية سنوياً. المدرسة فيها 30 معلماً ومعلمة، فهل يُعقل أن توزع 80% من هذا المبلغ عليهم؟ ما يعني أن راتب المعلم يصل إلى 1000 دولار، ونحن نتمنى ذلك ولكن الواقع لا يتناسب مع هذه الأرقام لأن الحد الأقصى لراتب المعلم في هذه المدرسة لا يتجاوز الـ 450 دولاراً، وقد خُفّض الحسم الذي كان يُعطى لأولاد المعلمين من 80% إلى 50%”.
عريضة ومقاطعة قيد التنفيذ
بحسب مصدر خاص لـ”لبنان الكبير”، قام عدد من أولياء الأمور في المدرسة بتقديم عريضة موقعة من أكثر من 100 ربّ أسرة، طالبوا فيها بإعادة النظر بالزيادات الجديدة، وأكدوا أن قدرتهم المالية لا تسمح بتحمل أكثر من 100 دولار زيادة كحد أقصى، بينما رفعت المدرسة القسط بنحو 400 دولار دفعة واحدة. ووعدت الادارة ببحث الموضوع، إلا أن الأهالي أكدوا أنهم سينقلون أولادهم حتماً في حال لم يتم التجاوب مع مطالبهم.
في المقابل، بدأت دعوات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي و”الواتساب”، الى مقاطعة المدارس الخاصة التي رفعت أقساطها بصورة مبالغ فيها، كما نُشرت بيانات تتضمن أسماء المدارس المعنية، مع دعوات الى الاعتصام أمامها حتى تحقيق المطالب.
في ظل غياب الرقابة الرسمية على المدارس الخاصة، وغياب تفعيل لجان الأهل، تتفاقم أزمة التعليم في لبنان، لا سيما في المناطق الأكثر هشاشة كمنطقة البقاع، ومع تحوّل الأقساط إلى عبء يفوق قدرة العائلات على التحمل، تتجه شريحة واسعة من الأهالي نحو المدارس ذات الأقساط المنخفضة، حتى لو اضطرت الى تبديل بيئة أولادها الدراسية، فهل ستقوم وزارة التربية بدورها في الحد من الزيادات العشوائية واعتماد سياسة “ادفع وإلا ارحل”، ما سيدفع التعليم في لبنان إلى مزيد من الانهيار؟


