“سمعتوا؟”… رعب الحرب يرتسم في مفرقعات الفرح

فاطمة البسام

“سمعتوا؟” ليست مجرّد كلمة عابرة في القاموس اللبناني، بل تحوّلت إلى ردّ فعل جماعي يختصر الخوف الكامن في النفوس منذ اندلاع الحرب الاسرائيلية الأخيرة على لبنان. وعلى الرغم من أن العمليات العسكرية انتهت “ورقياً”، إلا أن تبعاتها النفسية لا تزال حيّة، تترجمها تفاصيل حياتنا اليومية التي باتت تعيش على وقع الترقب والقلق.

ففي كل مرة يُسمع فيها صوت قوي أو مفاجئ، يتجمّد الوقت للحظات. خبطة باب، انفجار إطار سيارة، أو حتى صوت مرتفع من الشارع… كلها كفيلة بإثارة الذعر واستحضار مشاهد القصف والغارات. لا فرق بين صوت قذيفة وصوت مفرقعة نارية في لحظة الخوف. وهنا، تصبح مفرقعات المهرجانات الصيفية، التي تجوب المدن والقرى، من أكثر الأصوات التي تزرع الرعب في قلوب المواطنين، ولو لثوانٍ قليلة، قبل التحقق من مصدر الصوت وطمأنة النفس بأن “الوضع طبيعي”.

وما إن تُطلق أولى المفرقعات في سماء بيروت أو غيرها، حتى تغصّ تطبيقات التواصل برسالة واحدة تتكرر من الشمال إلى الجنوب: “سمعتوا؟”.

كلمة واحدة تختصر مدى الهشاشة النفسية التي نعاني منها، والتي لم تُعالَج، بل طُمرت تحت ركام الحرب وأخبار السياسة.

تقول الطبيبة النفسية د. رانيا يونس في حديث لـ”لبنان الكبير”: “إن هذا النوع من الاستجابة يُعرف بالتحسّس السمعي الناتج عن الصدمة أوSound-triggered PTSD، وهو شائع بين الناجين من الحروب والانفجارات”. وتوضح أن “الأصوات المرتفعة تعيد الدماغ تلقائياً إلى حالة الدفاع القصوى، حتى لو لم يكن هناك خطر حقيقي، لأن الجهاز العصبي لا يميز بين صوت مفرقعة وصوت قصف إذا لم يكن مستعداً نفسياً”.

وتشير الى أن “هذا القلق المتجدد يعكس غياب الدعم النفسي الجماعي بعد الأزمات، ويؤدي إلى اضطرابات في النوم والتركيز وحتى العيش في حالة تأهّب دائم”.

تروي رنا، 29 عاماً، كيف أن صوت المفرقعات خلال مهرجان صيفي في وسط بيروت أعادها إلى ليلة لا تُنسى من القصف، وتقول: “شعرت برجفة في جسدي، تجمّدت مكاني، ظننت لوهلة أننا عدنا الى الحرب… قلبي تسارع، ودموعي نزلت من دون أن أفكر. كل اللي كنت بدي وقتها أعرف إذا هيدا انفجار أو لا”.

الخوف لم ينتهِ بانتهاء القصف. هو اليوم يسكن في ردود الفعل، في نظرات القلق، في الأجساد المستنفرة. يعيش بيننا كأثر دائم، كندبة لا تُرى بالعين، لكنها تُحسّ مع كل صوت مباغت.

وربما آن الأوان لنسأل: متى نُشفى فعلاً من الحرب؟ لا حين تتوقف البنادق فقط… بل حين يصمت السؤال: “سمعتوا؟”.

وفي حديث لموقع “لبنان الكبير”، أوضح المحامي والدكتور محمد بالوظة أن مسألة المفرقعات لا تُعد بسيطة أو عفوية كما يعتقد البعض، بل تخضع لإطار قانوني صارم، سواء من حيث استيرادها أو استخدامها.

وقال: “قبل أي شيء، يجب التحقق من مصدر استيراد هذه المفرقعات، وهل تم إدخالها إلى لبنان بصورة قانونية وبإشراف الجهات الرسمية المختصة. صحيح أن هناك أنواعاً مسموح بها تُدخل تحت إشراف الجيش اللبناني، لكن هذا لا ينطبق على كل الأصناف، خصوصاً تلك التي تُحدث دوياً كبيراً وتسبب هلعاً بين الناس”.

وأشار بالوظة إلى أن “استخدام المفرقعات بطريقة تؤدي إلى الذعر بين المواطنين، أو تسبب أذى جسدياً أو نفسياً، قد يُعتبر جُرماً يعاقب عليه القانون”، لافتًا إلى أن إطلاقها في أماكن سكنية أو خارج الأوقات المنظمة ليس أمراً مباحاً.

وأكد أن “الموضوع بحاجة إلى تنظيم صارم، وتطبيق حقيقي للقانون من الشرطة البلدية والجيش، خصوصاً أن بعض المفرقعات قد يفضي إلى أزمات قلبية أو حالات وفاة، خصوصاً لدى المسنين أو الأطفال أو الذين يعانون من حالات صحية حساسة”.

وشدد على وجوب “أن نتحمّل كمجتمع مسؤولية أخلاقية، وندرك أن هناك من هو نائم في بيته، من كبار السن أو المرضى، وقد يتأذى فعلياً من مجرد صوت مفرقعة. المسألة ليست مجرد فرح لحظي، بل خطر حقيقي يستدعي ضبطاً ومحاسبة”.

شارك المقال