يُعد “كتاب الجفر” أحد أشهر الأساطير الغيبية في التراث الشيعي الباطني وبعض الأوساط الصوفية. يُنسب هذا الكتاب إلى الإمام علي بن أبي طالب، ويُقال إنه يحتوي على أسرار الغيب، ومستقبل الأمم، وتفاصيل الوقائع السياسية والدينية القادمة. وقد تطوّر حول هذا الاسم ما يُسمى بـ”علم الجفر”، الذي يقوم – وفقاً للمزاعم – على حساب الحروف والأرقام واستخراج أسرار كونية منها.
لكن، حين نُخضع هذه الادعاءات للفحص النقدي التاريخي والعقلي والعلمي، تنكشف حقيقة ناصعة: لا وجود حقيقي لكتاب “الجفر”، ولا لعلم موثوق يُدعى “علم الجفر”. بل نحن أمام تصوّر أسطوري نابع من خيال جمعي وتوق إنساني لفهم المجهول أو تطويعه، لا أكثر.
أولاً: غياب وجود مادي أو نصي لكتاب “الجفر”
لم يُعثر حتى اليوم على أي مخطوطة أصلية أو معتمدة لكتاب يُدعى “الجفر”، لا في مكتبات المخطوطات الكبرى، ولا في أرشيفات الفرق الشيعية أو الإسلامية التقليدية.
وفضلاً عن غياب أي إشارة لـ “علم الجفر” أو كتاب “الجفر” في القرآن الكريم أو كتب الحديث المعتبرة وكتب التاريخ المرجعية، فإن جميع الإشارات إليه ترد في:
كتب متأخرة أو منحولة مثل “مشارق أنوار اليقين” و”مدينة المعاجز”.
نصوص حروفية غيبية لا تستند إلى أي توثيق علمي أو تاريخي.
حتى في مكتبات قم والنجف التي تحتفظ بآلاف المخطوطات الشيعية، لا دليل على نص باسم “الجفر” منسوب إلى الإمام علي، ولا حتى بقايا منه أو ذكر موثوق به في مؤلفات الأئمة المتقدمين.
الإشارات التاريخية المتأخرة:
يُرجّح أن أولى الإشارات المكثفة إلى “علم الجفر” ظهرت في القرن الرابع الهجري، مع تصاعد الاتجاهات الباطنية والرمزية في بعض الفرق الشيعية مثل الإسماعيلية، ثم انتقلت لاحقاً إلى بعض المتصوفة.
ثانياً: لا سند صحيح ينسب “علم الجفر” إلى الإمام علي
رغم المنزلة العظيمة للإمام علي في الإسلام، إلا أن الروايات التي تنسب إليه علماً غيبياً قائماً على الحروف أو الأرقام لا ترد في كتب الحديث المعتبرة، لا عند أهل السنة ولا عند الشيعة الإثني عشرية. بل إن ما نُقل من أحاديث عن “جفر أبيض” أو “جفر أحمر” جاء في سياقات رمزية أو منسوبة إلى مصادر ضعيفة أو موضوعة.
وقد اتفق المحققون من أهل الحديث على أن هذه الروايات منكرة أو موضوعة. فالإمام علي كان فقيهاً وعالماً وخطيباً ورجل دولة، ولم يُعرف عنه انشغاله بالخرافات أو الحسابات الحرفية.
ثالثاً: نقد “الجفر” من داخل التراث الإسلامي
حتى داخل التراث الإسلامي التقليدي، نجد علماء كباراً انتقدوا “الجفر” ونقضوا دعوى علمه، ومنهم:
🔹 ابن خلدون – في “المقدمة”:
> “علم الحروف المنسوب إلى الجفر إنما هو من تخييل أصحاب الأوهام، وهو علم لا تقوم عليه حجة.”
🔹 الشوكاني – في “الفوائد المجموعة”:
> “أحاديث الجفر وما يدعى أنه حوى من الأسرار إنما هي من مختلقات الزنادقة والرافضة لنصرة باطلهم.”
🔹 جلال الدين السيوطي – في “مفتاح الجنة”:
> انتقد العلوم الحرفية والباطنية واعتبرها باباً للشعوذة والتدليس على الناس.
🔹 محمد عبده – في أعماله الكاملة:
> رفض كل ما بُني على الأسرار المزعومة والكتب الخفية التي تزعم امتلاك علم الغيب، واعتبرها من أسباب تخلف الأمة.
رابعاً: “علم الجفر” لا يرقى إلى أي تعريف علمي
ما يُسمى بـ”علم الجفر” يعتمد على ممارسات اعتباطية، منها:
تحويل الحروف إلى أرقام (نظام “أبجد هوز”).
تركيب القيم العددية لاستنتاج جُمَل أو نبوءات.
ربط الحروف بالأحداث بطريقة ذاتية لا تخضع لأي منهج.
وهذا يتعارض مع أساسيات المعرفة العلمية:
لا توجد قواعد مضبوطة قابلة للتكرار.
لا يُمكن اختبار النتائج أو التحقق من صحتها.
لا يوجد نموذج رياضي أو منطقي معتمد.
بالتالي، فـ”علم الجفر” ليس علماً بالمعنى الديني أو العلمي، بل شكل من أشكال التنجيم والتكهن المرفوضة في الإسلام والعقل الحديث.
والدعوى بوجود علم خفي أو خاص يناقض الوحي، إذ يقول الله تعالى:
> ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]
وكذلك:
> ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا • إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: 26-27]
والحديث النبوي الشريف:
> “من سُئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار” – يرفض صراحة فكرة “العلم الخاص” الذي يُحجب عن الناس.
خامساً: التوظيف السياسي والأسطوري لأسطورة “الجفر”
تم توظيف مفهوم “الجفر” في مراحل مختلفة لأغراض رمزية وسياسية، مثل:
تبرير ظهور المهدي المنتظر أو قادة دينيين.
ادعاء امتلاك الغيب لإضفاء الهيبة على جماعة أو زعيم.
ترهيب الأتباع أو تعبئتهم على أساس نبوءات “غيبية”.
وشاعت هذه الظاهرة خصوصاً في أوساط:
غلاة الشيعة، وتحديداً في القرون المتأخرة.
الفرق الباطنية مثل الإسماعيلية والنصيرية.
بعض الطرق الصوفية المتأثرة بالتأويلات الغيبية.
سادساً: موقف الفكر الحديث والعقلانية الإسلامية
كثير من المفكرين الإسلاميين المجددين اعتبر “الجفر” نتاجاً خرافياً لا صلة له بالإسلام الأصيل، ومنهم:
نصر حامد أبو زيد: رأى أن “الجفر” من موروثات التأويل الباطني التي تتعارض مع النص والعقل.
محمد أركون: انتقد الاعتماد على النصوص الغيبية لتفسير الحاضر والمستقبل.
عبد الرحمن بدوي: صنّف “الجفر” ضمن “الميتافيزيقا الباطنية الهروبية” التي تعرقل وعي الإنسان.
خاتمة: “الجفر” وهمٌ متقن الصياغة لكنه زائف المضمون
بعد هذا الاستعراض النقدي والتوثيقي، نستنتج بوضوح:
لا وجود فعلي لكتاب “الجفر” في أي مصدر موثوق.
لا سند صحيح ينسبه إلى الإمام علي أو غيره من الأئمة.
لا قواعد علمية أو دينية تعزز ما يسمى “علم الجفر”.
كل ما يُقال عنه مجرد خيال شعبي، ووظيفة سياسية، وتعبير عن توق الإنسان الى كشف المجهول أو تطويعه. ويجب أن يُفصل بين الإسلام العقلي القائم على الوحي والعقل، وبين الأساطير التي تُغلّف بالدين زوراً وبهتاناً.


