تحلّ “بركات” الانتخابات النّيابية على مدينة طرابلس مبكرًا، وقبل أشهر قليلة من موعدها، لاحظ الطرابلسيون أنّ بعض نوابهم، بدأ الوفاء بتعهّداته وأنجز تزفيت طرقات طالها الإهمال لأربع سنوات وأكثر. وبينما توجهت صفحات طرابلسية أو بعض مخاتير المدينة بالشكر لمن أنجز هذا المشروع “الخيالي”، رأى أبناء المدينة في هذا العمل، عودة لـ “الزفت” الانتخابي والتي اعتبروها “رشوة” تسبق الاستحقاق، فيما تحدّث بعض المهندسين عن رداءة نوع الزفت (الإسفلت) المستخدم، مؤكّدًا أنّه “سيُقشّر” مع أول “شتوة”.
“الخير” الذي حظيت به بعض شوارع طرابلس، لم يقتصر عليها فحسب، بل تلفت الأوساط إلى أنّه ظاهرة بدأت تنتشر في مناطق شمالية عدّة مثل الضنية والمنية، لكن الفارق يكمن في أنّ الشخصيات التي تتولّى أعمال تزفيت الشوارع في أقضية خارج طرابلس، حاولت إنجاز مشاريع عديدة في مناطقها طيلة الفترة النيابية، خلافًا لعاصمة الشمال، حيث لا تُحرّك فيها “طوبة” واحدة إلّا قبل الانتخابات، وتكون هذه المشاريع عبارة عن أعمال تزفيت لا علاقة لها بعمل النوّاب الذين يكمن واجبهم في التشريع لا تقديم الخدمات، لكن اللافت أنّ بعض نوّاب المدينة يُخصّص مشاريعه ومساعداته “بفرد ضربة” قبل أشهر قليلة من الانتخابات، وذلك بعد سنوات من الغياب الملحوظ عن المشهديْن السياسي والاجتماعي.
الأوساط السياسية شمالاً، تُشير إلى أنّ صلاحية تزفيت الطرق (أيّ تخصيص الاعتمادات اللازمة لها) تعود لوزارة الأشغال العامّة والنقل، إلا أنّ هذا الإجراء تحوّل إلى حصص يتقاسمها النوّاب في لبنان.
ويقول مصدر متابع لـ “لبنان الكبير”: “الدّولة اللبنانية هي التي تُنفق وتُخصّص حصص التزفيت للنوّاب، ما يعني أنّهم يُنفقون على حساب الدّولة خصوصًا منذ بدء ضعف خزينتها وسيطرة الأزمة المالية على البلاد، وبالتالي إنّ هذه الطريقة التي تحدّث عنها وزير الأشغال السابق علي حمّية في العام 2022، والتي فتحت الباب أمام اللبنانيين لتأهيل الطرقات (غير الدّولية والرئيسية) بالتنسيق مع الوزارة لضمان الالتزام بالمواصفات الفنّية، جاءت بسبب عجز ميزانية الوزارة عن تغطية تكاليف تعبيد الطرق حينها، الوضع الذي يفتح الباب أمام الحديث عن الرشوة خصوصًا في موسم الانتخابات، ومع ذلك، تبقى هذه الطريقة غير قانونية، وقد يُمارس النّائب ضغوطًا على الوزارة لمنح منطقته حصّة، ولكن سؤال بسيط: هل هذا الإجراء قانوني وطبيعي؟ ولماذا يلجأ إليه النائب قبل الانتخابات تحديدًا؟”.
ويُضيف: “منذ فترة وجيزة، سمعنا في مناطق مختلفة أخبارًا عن عودة تعبيد الطرق فيها بتمويل مباشر من الوزارة وبناء على طلب من بلديات أو بسعي من النواب، ولكن هل سمعنا بهذه التفاصيل في طرابلس التي يشعر المواطنون فيها بأنّ النائب يمنّ أو يتفضّل عليهم بأداء هذا الواجب الرسمي؟ من هنا، تبدو هذه التصرّفات حزبية- سياسية ذات أبعاد انتخابية وليست وطنية وإنمائية، ومن يُسدّد ضريبة هذا الزفت هو المواطن، أيّ أنّك تدفع ثمنه، لكنّه لا يُصرف عليك إلّا برغبة نيابية، ما حوّله إلى سلعة”.
ويُؤكّد مصدر هندسيّ مطّلع على التطوّرات السياسية أخيرًا لـ “لبنان الكبير” أنّ شكل هذه التحرّكات النّيابية يرتبط بالزبائنية والمحسوبية التي تفرض ولاءات انتخابية على النّاخبين، أمّا في جوهر المشروع، فإنّ الزفت المُستخدم غير مطابق للمواصفات، فلا جودته ولا لزوجته ولا خبرة المواطنين بمثل هذه المشاريع، تُؤكّد أنّ الطرابلسيين سيستفيدون منها لمدة طويلة وقد تتقشر سريعًا كالمعتاد مع مياه الأمطار وبعد أشهر من إنجازها. ويقول: “لقد سئمت طرابلس من المشاكل المرتبطة بسوء حال طرقاتها مثل دواريّ البحصاص والنيني، أو من أزمة الغاز السائل التي أُقفلت بسببها محطّات التعبئة التي تبيع للنّاس حسب إمكانياتهم، أو من إزالة الأكشاك والبسطات من دون توفير بديل، أو من تراكم النّفايات فيها وتلاعب الشركات والإدارات المرتبطة بهذا المجال بأمنها البيئي، أو من تعليق العمل في المرفأ وتشويه سمعته دون أيّ تحرّك أو تعليق نيابي، والآن، هل يقتصر النّشاط السياسي على تقديم واجب عزاء من جهة، أو تزفيت من جهة ثانية؟”.
ويرى المصدر أنّ المعركة النّيابية ستكون صعبة للغاية هذا العام، معتبرًا أنّها لن تكون خدماتية بقدر ما ستُركّز على النفوذ المناطقي والزعامة الساعية إلى فرض هيمنة نيابية عبر الأساليب المعتادة لبعض القائمين عليها مع المواطنين، “لكنّنا نأمل أن يتمتّع المواطن بالوعي الكافي ليرفض شراء ذمّته بسلعة خدماتية”.


