مبانٍ مهدّدة بالانهيار... والمعالجة بـ"التطنيش والتهرّب"!

مجتمع 5 كانون الأول , 2021 - 12:01 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

مبانٍ في لبنان مُهملة ومُتهالكة لا تُعرف لحظة انهيارها، إلّا حين ينتج عنها قتلى وجرحى، والسبب يعود إلى أنّ تلك المباني بُنيت من دون تراخيص قانونية أو أنّ طوابأخرى أُضيفت إليها بشكل غير قانوني، فكيف للقانون أن يتماشى في بلد بحد ذاته ينهار؟ والدليل على ذلك، حين انهار مبنى متصدّع في منطقة فسوح في الأشرفية عام 2012 أودى بحياة 26 شخصاً من قاطنيه، وكان السبب إهمال صاحب المبنى له، والصادم في الأمر أنّه قبل انهيار المبنى ناشد السكان المجاورون الدولة الإسراع في التدخل، لكنها لم تحرّك ساكناً.

هكذا كان إهمال الدولة منذ تسع سنوات وهو مستمر إلى اليوم، فالدولة اللبنانية كانت ولا تزال تعتمد استراتيجية "التطنيش". فمن يتحمل مسؤولية المباني ذات البنية التحتية الضعيفة؟ وهل الجهات المعنية على علم بها؟

اللواء خير: البلديات تتهرّب من تحمّل المسؤولية

"ما حدا سألان"، هكذا يصف الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة اللواء محمد خير لـ"لبنان الكبير" موضوع المباني المهددة، إذ يرى أنّ المسؤولية تقع على عاتق الدولة والبلدية والمواطن، ويقول: "تقع على كل بلدية المسؤولية الأكبر من حيث الترميم والإصلاح من ميزانيتها، لكن للأسف، الكثير من البلديات تتهرّب من تحمّل المسؤولية. فقبل أن يشتروا سيارات للبلدية فليرمموا المباني أولاً، لا سيما تلك التي تهددّ السلامة العامة. وفي حال كانت البلدية لا تملك الميزانية الكافية للترميم، فيجب على رئيس البلدية أن يرفع طلباً إلى وزارة الداخلية يوضح فيه أنّ البلدية قامت بالكشف على مبنى معيّن وتبين أنّه معرّض للانهيار، ولكن نظراً للوضع المالي للبلدية لن تستطيع ترميمه، ولهذا السبب يُقترح على وزير الداخلية عرض هذا الموضوع على جدول أعمال مجلس الوزراء لتحديد الجهة التي ستنفّذ عملية الصيانة أو الهدم وتحديد الجهة المموّلة لها".

ويشير اللواء خير إلى أنّ "قسم الهندسة التابع لكل بلدية هو المسؤول عن مراقبة المباني المهددّة بالسقوط، بالإضافة إلى دور التنظيم المدني الذي يعطي التراخيص والذي من المفروض أن يكون على علم ومشرفاً على المباني التي تشكّل خطورة على السلامة العامة".

بلال حمد: مئات الأبنية معرّضة للانهيار

من جهته، يقول الرئيس السابق لبلدية بيروت الدكتور بلال حمد: "بعد حادثة فسوح وعندما كنت رئيساً لبلدية بيروت عام 2012، اتخذنا قراراً بناءً على تدخّل وزير الداخلية بإجراء إحصاء في بيروت لجميع المباني القديمة والكشف عليها إذا كانت مهدّدة بالانهيار أم لا. لكن حينها أرسل محافظ بيروت ناصيف قالوش كتاباً رسمياً يقول فيه أنّه غير قادرٍ على تنفيذ هذه المهمّة، وبالتالي تم تكليف شركات متخصّصة تقوم بدراسات إحصائية لمباني بيروت القديمة وتصنّفهم ثلاث فئات، فئة المباني غير الصالحة للسكن والتي يجب إخلاؤها وهدمها، فئة المباني التي تحتاج إلى ترميم وصيانة، وفئة المباني السليمة".

ويكمل: "المشكلة تكمن أنه في فترة رئاستي للبلدية، وضع هذا الملف في جارور قالوش، وبقي متكتماً عليه زياد شبيب عندما تولّى منصب المحافظ، مما يعني أنّ محافظيْن أعاقا هذه العملية التي كانت لا بدّ أن تؤمّن لمدينة بيروت قاعدة بيانات لمبانيها". ويوضح: "إنّ من بيده السلطة التنفيذية في البلدية هو المحافظ وبالتالي هو اختار التعاطي باستنسابية مع الملف، وبعد محاولات فاشلة بالتدخل لحثّ المحافظ على تنفيذ القرارات، لم نتمكن من الحصول على بيانات، والدليل على ذلك، انفجار 4 آب الذي دمّر عشرات المباني والذي هدّد سلامة المواطنين، حيث تحرّك المجلس البلدي ميدانياً حينها، ولكن لم يعرف كيفية التّصرف بسبب افتقاره لقاعدة البيانات التي كان يجب إعدادها منذ سنوات".

ويضيف حمد: "كما استحصلنا عام 2012 على هبة من البنك الدولي تبلغ قيمتها مليون دولار مخصصة لمخطط توجيهي لجعل مدينة بيروت مقاومة للزلازل والكوارث الطبيعية. سُلّم هذا المخطط بعد انتهاء فترة رئاستي إلى المحافظ والمجلس البلدي، أي في عام 2017، وهذه الدراسة أيضاً وُضعت في الجارور، فلو بدأوا تنفيذ هذا المخطط في وقته وشكّلوا في بلدية بيروت مجموعة تهتم بموضوع الكوارث الطبيعية والتي تدرس كيفية التعاطي مع أي زلزال أو هزة أرضية ممكن أن يضرب لبنان، وكان من الممكنأن يكون أداء البلدية أحسن بكثير بخاصة عند وقوع كارثة المرفأ، وهنا أحمّل المسؤولية لشبيب الذي كانت بيده السلطة التنفيذية حينها".

ويلفت إلى أنه "بعد تسلّم مروان عبود منصب المحافظ، اتصلت به وقلت له عن المخطط التوجيهي الموجود في بلدية بيروت، فأجابني بأنّه لا يعلم عنه شيئاً!".

ويختم حمد: "عموماً وضع المباني في بيروت مخيف، وهناك مئات الأبنية معرّضة للانهيار في لبنان كان من الممكن معالجتها لولا القرارات التي اتخذت ولم تنفّذ".

عزام: الوضع الحالي لا يسمح بإصلاح المباني

أمّا بالنسبة لرئيس جمعية سلامة المباني المهندس يوسف عزام، فيقول: "في البداية دعونا الدولة كثيراً لإجراء مسح ميداني شامل لمعرفة الأعداد الصحيحة للمباني الضعيفة ولكن لم نلقَ جواب، إذ أنّ مسؤولية الدولة الاهتمام بهذا الموضوع. لذا وبعد حادثة فسوح، قمنا بدراسات تحليلية معتمدين على خرائط جوية، وبناءً على عمر المبنى وبناءً على خبرة فريق من المهندسين ومدى معرفتهم بالواقع الإنشائي في لبنان، صدرت نتيجة هذه الدراسات التي تعود إلى عام 2015 أنّ هناك نحو 16.260 مبنى مهدداً بالانهيار موزّعة بين الأراضي كافة، وكان العدد الأكبر في العاصمة بيروت".

ويتابع: "طرحنا مشروع السلامة العامة للمباني حينها، لكن كلفته كانت عالية جدّاً. أما الآن فصعبة المناقشة فيه حتى، بخاصة أنّ قسماً كبيراً من المباني تخضع لقانون الإيجار القديم، وهناك خلاف قضائي على موضوع صيانة المبنى التي تضع المالك والمستأجر تحت طائلة المسؤولية، لذا نحن أمام معضلة كبيرة تحتاج إلى معجزة".

ويستطرد عزام أنّ "أعداد المباني التي خلُصت إليها الدراسات، والتي لديها نسبة عالية من احتمالات الانهيار هي تلك التي تضاف إليها طوابق أخرى، حيث المبنى يكون مجهّزاً ليتحمّل وزناً معيّناً. وفي حال أضيف له فوق طاقته فبالتأكيد لن يتحمّل وسيكون معرّضاً للانهيار في أي لحظة، وتلك المباني التي شهدت على الحروب وتعرّضت إلى صواريخ وبالتالي تضرّر هيكلها الإنشائي".

ويوضح أنّ "وقوع مبنى مهدد بالإنهيار من تلقاء نفسه أمر نادر الحدوث، ونسبة ضئيلة من أن يقع في حال كان وضع المبنى مهترئاً".

ويضيف: "تم التداول بمرسوم السلامة العامة للأبنية والمنشآت من أيام الشهيد رفيق الحريري ولم يُطبّق إلّا سنة 2012، وينص هذا المرسوم على أنّ كل المباني الجديدة والتي تزيد مساحتها على مساحة معينة حسب كل منطقة تخضع إلى المراقبة من شركات خاصّة تفحص خرائط العمار، ولكننا أيضاً أمام مشكلة مراقبة في حال إذا كانت الخرائط تُطبّق أم لا، لكن عموماً المباني الجديدة أفضل من القديمة حيث أصبحت جودة مواد العمار أحسن بكثير، بالإضافة إلى الخبرات الهندسية المتقدّمة".

ويتابع "إنّ ما يهدّد السلامة العامّة هو إنشاء محطة وقود وسط مبانٍ سكنية حتّى ولو تم إنشاء المباني والمحطة بطريقة مدروسة، فمركزهما الجغرافي بجانب بعضهما يشكل خطراً كبيراً".

ويشير عزّام إلى أنّ "الخوف يكمن في لبنان من حيث حدوث الزلازل والهزات الأرضية، إذ أنّه جغرافياً يقع في مكان نشط زلزالياً وهو معرّض لها كل 300 أو 400 سنة والتي من الممكن أن تبلغ شدة الزلزال 6 أو 7 درجات. أمّا إذا تعرض لبنان إلى زلزال درجته 3 فما دون، فلن يشكّل خطورة على الأبنية المهددة بالانهيار".

وبالنّسبة لقوّة انفجار 4 آب والأضرار الناجمة عنه، يقول: "أنّ قوته أشبه بقوة زلزال بـ5 درجات، وبالتالي تضرّرت الأبنية المحيطة به وبخاصة التراثية منها والتي يعود عمرها إلى أكثر من قرن".

ويؤكّد عزام أنّ "الوضع الحالي في لبنان لا يسمح بإصلاح المباني، ولا حتى بإنشاء مبانٍ جديدة لأن كل شيء أصبح بالدولار".

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us