أحدث انهيار مبنى سكنيّ في منطقة القبّة- شارع الجديدة في طرابلس خضّة إنسانية استثنائية، مُسلّطًا الضوء من جديد على قضية المباني المتصدّعة في المدينة التي تحتاج اليوم إلى خطّة طوارئ عاجلة للحدّ من هذا الواقع الذي لا يقتصر على منطقة واحدة فحسب، بل أصبح “داءً” ينتقل من منطقة إلى أُخرى ومن حيّ إلى آخر.
في التفاصيل، انهار مبنيان سكنيان متلاصقان، الأوّل مؤلّف من خمسة طوابق وغير مسكون، بينما انهار الثاني الملاصق له على عائلة المير التي علقت لساعات تحت الأنقاض. وتتواصل جهود الإنقاذ لانتشال الأشخاص العالقين (حتّى اللحظة، أربعة أشخاص تحت الركام).
ووفق الأهالي، فقد تلقوّا اتصالات وإخطارات تُفيد بأنّ المبنى معرّض للانهيار إثر ظهور تشقّقات فيه، كما وصلتهم اتصالات من البلدية تدعوهم إلى إخلاء المبنى مؤقتًا للكشف عليه من قبل المتخصّصين مع إمكانية العودة إليه لاحقًا في حال احتاج إلى ترميم فقط، وذلك دون توفير بديل للسكن. وقد غادرت هذه العائلات يوم الجمعة، ومن بينها عائلة المير التي اضطّرت إلى العودة إلى منزلها لعدم عثورها على مكان يُؤويها، قائلة “بسلّمنا الله”، ليسقط المبنى فجر يوم السبت مباشرة، الساعة الثالثة فجرًا.
هذه الفاجعة التي أجبرت العائلات على الفرار من منازلها مسرعة دون ثياب، دون مال أو ممتلكات تُذكر، أثّرت بعمق في نفوس الطرابلسيين الذين يتوقّعون الأسوأ هذه الفترة خصوصًا بعد اعتراف البلدية بتقديم كلّ ما لديها من فرقٍ ومستلزمات، مشيرة إلى محدودية إمكانياتها بسبب الشح المالي، وعليه، يُؤكّد عدد من أعضاء المجلس البلديّ أنّ هذه الأزمة تتطلّب إعلان حالة طوارئ من قبل الدّولة، باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على معالجتها.
وحسب المتخصّصين الذين تواصل معهم “لبنان الكبير”، فلن تكون هذه الحادثة الأخيرة، إذْ أنّ هناك آلاف المباني المهدّدة بالانهيار. ويقول أحدهم لـ “لبنان الكبير: “عشرات المنازل في القبّة آيلة للسقوط، والكثير منها يضمّ مخابئ ممتلئة بالمياه تُؤثّر سلبًا في قوّة الأعمدة ومتانتها، أمّا المنازل الأُخرى، فهي متهالكة ليس فقط بسبب تآكل أعمدتها فحسب، بل لتقادمها وعدم صيانتها بصورة دورية، إمّا بسبب الوضع الاقتصادي، أو بسبب الخلاف القائم أساسًا بيْن المالكين والمستأجرين حول مسؤولية الترميم وتكاليفه”.
وأبدى هذا المتخصّص عدم استغرابه من سقوط هذه المباني “التي أكّدنا سابقًا أنّها باطونية ولم تخضع للمراقبة أثناء بنائها، لكنّ الحقيقة أيضًا، تُشير إلى إنّ لبنان يشهد يوميًا عشرات الهزات الأرضية الخفيفة التي لا نشعر بها، وتراكم تأثيرها يُمكن أنْ يُضعف بنية الأبنية ويُسرّع تدهورها، أمّا المناطق الأُخرى المقصودة والتي نتوقّع تعرّضها لهذا النّوع من الحوادث الخطيرة، فهي ضهر المغر، التبانة والأسواق”.
ويُمكن التأكيد، أنّ هذه الحادثة لم تكن الأولى من نوعها في طرابلس، لكنّها أثارت استنكارًا شعبيًّا كبيرًا، كما أدّى الغضب إلى اشتباك الشبان في منطقة القبّة مع الجيش اللبناني لبعض الوقت، وكانوا تجمّعوا أيضًا للتعبير عن سخطهم عند مستديرة أو ساحة القبّة. وقد حظيت هذه الحادثة باهتمامٍ رسميّ بدأ من رئيس الجمهورية جوزاف عون، رئيس الحكومة نوّاف سلام، وزير الدّاخلية أحمد الحجّار الذي حضر إلى طرابلس وعقد اجتماعًا موسّعًا في قاعة الاستقلال- السرايا لبحث تداعيات انهيار المبنى إلى جانب الأبنية الآيلة للسقوط وسبل إيجاد حلول لها بأسرع وقت.
ضمن هذا السياق، يقول أحد المواطنين من القبّة لـ “لبنان الكبير”: “طرابلس اليوم منكوبة، ويبدو أنّ الدّولة تتعمّد ترك المدينة وكأنّها لا تُريدنا ولا تُريدها، ونحن بالمقابل لا نريدها أيضًا، ولقد ناشدنا قائد لجيش والسلطات المعنية بعد رصدنا لنهايتنا المأساوية وبهذه الطريقة، ولكن الله لن يغفر للقائمين على شؤون لبنان مهما حدث لأنّهم بلا ضمير”.


