بعد تشييع ضحيتَيّ الإهمال… هل بدأت إجراءات الوقاية لمنع تكرار الانهيار في طرابلس؟

إسراء ديب

يسود الحزن والغضب مدينة طرابلس التي انطلق من مستشفاها الحكوميّ في القبّة موكب تشييع جثمانيّ أحمد المير وابنته اليسار، اللذيْن لقيا مصرعهما إثر انهيار المبنى الذي كانا يقطنان فيه في الشارع الجديد بمنطقة القبّة. وقد شكّل رحيل اليسار تحديدًا، وهي الممرضة الشابّة التي حاولت الفرار والإمساك بمقبض الباب لفتحه والنّجاة من المنزل لحظة شعورها باقتراب وقوع الكارثة، صدمة مروّعة لأهالي المدينة الذين رفعوا تكبيراتهم ونداءاتهم بالقول: “الشهيد حبيب الله” بعدما أكّد عناصر الدّفاع المدني العثور على الفتاة المفقودة منذ أربعة أيّام، في وقتٍ كان الجميع يترقّب فيه عودتها وإعلان نجاتها.

ومن المستشفى الحكوميّ حيث ودّع الممرضين والممرضات وكافّة الطاقم الطبّي بدءًا من مدير المستشفى ناصر عدرة ووصولًا إلى أصغر موظف فيه، اليسار، انتقل الموكب إلى بلدة مار توما العكّارية التي شيّعت بعد صلاة ظهر اليوم الجثمانيْن. وقد استقبلت الحشود الجثمانيْن بحزن شديد، وشارك العديد من الشماليين في مراسم الجنازة حتّى مسجد البلدة حيث أُقيمت الصلاة عليهما. وبعد الصلاة التي أمّها رئيس دائرة الأوقاف الإسلامية الشيخ مالك جديدة، ألقى كلمة نقل فيها تعازي مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان ومفتي عكّار الشيخ زيد بكّار زكريا إلى أهالي البلدة والعائلة المفجوعة، ليُواريا الثرى في مدافن البلدة.

ووسط هذه الأجواء الحزينة المرتبطة بتعلّق الشماليين لا سيّما الطرابلسيين بمتابعة لحظات البحث عن إليسار ورصد أدقّ التفاصيل، يتساءل أبناء المدينة عن سلامة المباني التي تبدو عليها علامات التصدّع أو الانهيار القريب بسبب تآكلها أو ضعف بنيتها.

هذا القلق الكبير في طرابلس يتزايد اليوم مع اكتشاف الأهالي تعرّض بعض المباني الحديثة نسبيًا (أيّ الذي شُيّد قبل أعوام قليلة) لخطر الانهيار في أيّة لحظة ولأسباب مختلفة، وقد تجلّى هذا الخطر بعد أنْ أصدرت بلدية طرابلس، وفق المتابعين، إنذارًا لسكّان مبنى “عزمي سنتر- بلوك ب” بالإخلاء، بعد اكتشاف خطر إنشائيّ يُهدّد السلامة العامّة، كما وجّهت البلدية إنذارات أُخرى لأكثر من مبنى في مناطق مثل القبّة، البقّار والتبانة، حيث تبدو المباني ضعيفة للغاية وقد تنهار بأيّة عاصفة بسيطة، لا فقط بسبب الزلزال الذي يتوقّعه المتخصّصون.

وخلال اليوميْن الماضييْن، ظهر عدد من النّاشطين والمواطنين في المدينة يتحدّثون عن طلب البلدية منهم إخلاء المباني التي يقطنونها لكونها قابلة للانهيار، وكان آخرها مبنى عزمي سنتر. إلا أنّ البلدية نفت هذه الأخبار بصورة قاطعة، موضحة أنّ كلّ ما يُتداول عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي حول قيام شرطة بلدية طرابلس بإخلاء مبانٍ اليوم غير دقيق ولا يمتّ للواقع بصلة، مؤكدةً أنّه لم يتم إخلاء أيّ مبنى في المدينة خلال هذا اليوم، مشدّدة على أنّ أيّ قرار بالإخلاء لا يُتخذ إلّا بناءً على تقارير هندسية رسمية موثوقة، ويُعلن عنه بوضوح وصراحة عبر قنواتها الرّسمية، حرصًا على سلامة المواطنين ومنعًا لأيّ التباس أو هلع غير مبرر.

وفي ظلّ هذه الأجواء المتوترة التي تُخيّم على المدينة بسبب هذا الملف الذي بات الشغل الشاغل للطرابلسيين، يلفت مواطنون لـ “لبنان الكبير” إلى أنّ إيجاد حلّ لهذه الأزمة أصبح ضروريًا ولا يُمكن الهروب منه أو تأجيله، إذْ تُعتبر بمثابة قنبلة موقوتة تُهدّد أبناء المدينة وتُحوّلهم إلى ضحايا، كما حدث مع إليسار التي دُفنت تحت الركام وسط تأخّر فعليّ في البحث عنها بسبب غياب الآليات اللازمة لذلك وغياب مساندة الدّولة. ويُضيف أحد المواطنين، إنّ القوى الأمنية تُسجّل أسماء السكّان الذين تُظهر مبانيهم تشقّقات أو تصدّعات وذلك ليتمكّن مهندسون من البلدية لاحقًا من معاينتها وتقييم ما إذا كانت بحاجة إلى ترميم وتدعيم أو إلى إخلاء.

ووسط هذا الكلام الشعبيّ، لم يصدر أيّ قرار رسميّ يُؤكّد أو ينفي وقوع تحرّكات بشأن هذه القضية الحساسة، ومع تساؤل البعض عن التحرّك البرلمانيّ لنواب طرابلس، قدّم النّائب إيهاب مطر اقتراح قانون إلى رئاسة مجلس النوّاب يهدف إلى ترميم الأبنية المتصدّعة والمهدَّدة بالانهيار. ويُمكن القول، إنّ التحرّكات حتّى اللحظة، ما زالت محدودة وتقتصر على مطالب نيابيّة (من دون اقتراحها قوانين كالذي اقترحه مطر)، بالإضافة إلى عقد اجتماعيْن رسمييْن: الأوّل عقدته رئاسة الحكومة مع النوّاب الشماليين في السراي الحكومي، والثاني عقده وزير الداخلية أحمد الحجّار في المدينة لبحث تداعيات الحادثة وكيفية معالجتها. ووفق المطّلعين على هذا الملف، فإنّ الحلّ قد يستغرق وقتًا، فيما ينتظر الطرابلسيّون ما ستُسفر عنه جلسات مناقشة الموازنة المستمرّة (والتي لم تذكر طرابلس في بنودها ولم تلحظ لها مشاريع اقتصادية) وما سيُطالب به نوّابهم بما يرتبط بهذا الموضوع، وقد شهدت الجلسة اليوم، وقوف أعضاء المجلس دقيقة صمت حدادًا على أرواح الضحايا بعد حادثة المبنى التي خلّفت بصمة مؤلمة في تاريخ المدينة الحديث.

شارك المقال