منذ أكثر من عقد، يتقدّم ملف الإيجارات السكنية القديمة في لبنان خطوة ويتراجع خطوات، إلى أن تحوّل اليوم إلى واحدة من أخطر القنابل الاجتماعية الموقوتة، مع اقتراب انتهاء المهل القانونية من دون استكمال الأدوات التنفيذية التي بُني عليها القانون أساساً.
في العام 2014، أقرّ مجلس النواب قانوناً جديداً للإيجارات السكنية، واضعاً إطاراً زمنياً واضحاً للتحرير التدريجي للعقود القديمة. وحدّد القانون مهلة تسع سنوات كمرحلة انتقالية، تُضاف إليها ثلاث سنوات إضافية للمستأجرين الذين يثبت حقهم بالاستفادة من «صندوق دعم المستأجرين»، على أن تتولى لجان مختصة دراسة الملفات وتحديد المستفيدين من الدعم من غير المستفيدين.
نظرياً، بدا القانون محاولة لتحقيق توازن بين حق المالك في استعادة ملكه أو تحسين بدله، وحق المستأجر في عدم رميه فجأة في سوق عقارية لا ترحم. لكن عملياً، سرعان ما دخل القانون في دوامة الخلافات والتفسيرات المتناقضة.
في العام 2017، عُدِّل القانون، وهنا بدأت الإشكالية الكبرى: هل تُحتسب المهل الزمنية ابتداءً من عام 2014، تاريخ صدور القانون الأول، أم من عام 2017، تاريخ التعديل؟ سؤال بسيط في شكله، لكنه فجّر خلافاً واسعاً داخل الجسم القضائي نفسه. فبعض القضاة اعتبر أن العدّ يبدأ من 2014، ما يعني أن المرحلة الانتقالية انتهت فعلياً، فيما رأى آخرون أن التعديل أعاد تشغيل الساعة من جديد.
لكن، بعيداً من الجدل النظري، برزت مشكلة أخطر: الصندوق.
الصندوق الذي شكّل حجر الزاوية في فلسفة القانون لم يُموَّل، ولم تُنشأ اللجان المختصة في وقتها، وبقي حبراً على ورق. ومع مرور السنوات، انتهت المهل، أو قاربت على الانتهاء، من دون أن يحصل المستأجرون ذوو الدخل المحدود على أي دعم فعلي، ولا أن يحصل المالكون على مسار قانوني واضح يضمن حقوقهم.
في هذا السياق، يشرح المحامي الدكتور محمد بالوظة، في حديث لموقع «لبنان الكبير»، أن البلاد دخلت فعلياً مرحلة الفراغ القانوني المقنّع. ويقول إن «انتهاء المهل الانتقالية من دون وجود صندوق فاعل أو لجان مختصة يفتح الباب أمام تطبيق قواعد قانون الموجبات والعقود»، ما يعني عملياً تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر واحتساب بدل المثل وفق أسعار السوق، لا وفق بدلات سنوية رمزية كما كان سائداً لعقود.
ويضيف بالوظة أن «القضاء يجد نفسه اليوم أمام واقع معقّد: لا صندوق، لا موارد، ولا آلية دعم، في مقابل طلبات متزايدة من المالكين لاستعادة أملاكهم أو فرض بدلات عادلة». وهنا يصبح المستأجر أمام خيارين لا ثالث لهما: إما دفع بدل مرتفع شهرياً يتناسب مع أسعار السوق، أو الإخلاء.
هذا الواقع لا ينفصل عن أزمة سكنية خانقة أساساً. فالعرض أقل بكثير من الطلب، والأسعار ارتفعت بشكل جنوني، فيما تراجعت القدرة الشرائية للمواطن إلى مستويات غير مسبوقة. ومع انهيار العلاقة «التوافقية» التي حكمت المالك والمستأجر لعشرات السنين، لم يعد هناك هامش للتسويات الودية. فبعد أربعين عاماً من «المساكنة القسرية»، بات الفراق هو القاعدة لا الاستثناء.
المالك يريد إسكان ابنه، أو ترميم بيته، أو تأجيره بسعر السوق. والمستأجر عاجز عن تأمين بديل، ولا قدرة له على تحمّل بدلات جديدة. وبين الاثنين، دولة غائبة، وقانون مبتور، وصندوق فارغ.
هكذا، يجد لبنان نفسه اليوم على أعتاب أزمة اجتماعية ـ سكنية مفتوحة، قد تترجم في أي لحظة بموجات تهجير داخلي صامتة، وعائلات تجد نفسها بلا سقف، من دون خطط إسكانية، ولا بدائل، ولا حتى رؤية رسمية واضحة.
في المحصّلة، لم يعد السؤال متى تنتهي مهل قانون الإيجارات، بل من يتحمّل مسؤولية ما بعدها؟ فالوقائع القاسية التي يلمسها اللبنانيون يومياً تشير إلى مسار واحد خطير: بلد يتّجه، صباح الخير، نحو أزمة «ناس بلا بيوت».
وفي موازاة السجال القانوني، ترتفع أصوات المستأجرين القدامى الذين يعيشون قلقاً يومياً من المجهول. تقول فاطمة، وهي أرملة تقيم في شقة قديمة منذ أكثر من ثلاثين عاماً: «معاشي لا يكفي ثمن إيجار غرفة اليوم. إذا طُلب مني الإخلاء أو رفع الإيجار إلى سعر السوق، لا أعرف حرفياً إلى أين أذهب. أولادي تزوجوا، ولا أحد قادر على استضافتي. الدولة تركتنا نواجه مصيرنا وحدنا».
بدوره، يشكو حسين، وهو موظف متقاعد يسكن مع زوجته في منزل خاضع للإيجار القديم منذ ثمانينيات القرن الماضي، من غياب أي وضوح رسمي: «نسمع كل يوم تفسيراً مختلفاً للقانون. مرة يقولون إن المهلة انتهت، ومرة لا. نحن لا نرفض دفع بدل عادل، لكن كيف ندفع إيجاراً يساوي كل دخلنا؟ الصندوق لم يُنشأ، والدعم غير موجود، ومع ذلك يُطلب منا الرحيل وكأننا غرباء عن هذا البلد».
هل يقود قانون الإيجارات القديم آلاف العائلات إلى الشارع؟


