رأس السنة بين الاحتفال والمحاسبة

مجتمع 30 كانون الأول , 2022 - 12:12 ص

 

إن من سنن الله في الكون أن جعل لكل بداية نهاية وجعل السنين والحساب، وكلها مرتبطة ببعضها البعض، وهكذا مع اقتراب نهاية سنة ألفين وإثنين وعشرين واستقبال سنة جديدة تبدأ مظاهر الاحتفالات بالعام الجديد، وقد يتخللها الكثير من السلوكيات التي نهانا عنها الإسلام، ونسي كثيرون أن توديع سنة مضت واستقبال أخرى هو محطة للتأمل على حد قول إيليا أبو ماضي: "قل للذي أحصى السنين مفاخرا يا صاح ليس السر في السنوات... بل إنه في المرء كيف يعيشها في يقظة أم في عميق سبات... خير من الفلوات لا حد لها روض أغن يقاس بالخطوات... تحصي على أهل الحياة دقائق والدهر لا يحصى على الأموات".

رؤية الإسلام لمظاهر الاحتفال برأس السنة

الإسلام دين الرحابة والاعتدال، وليس دين الضيق والتطرف، وإنه لا يعترض بالمبدأ على الأفراح ومظاهرها والأعياد وإحيائها، يعكس نهج الشريعة الإسلامية القائم على السماحة والانفتاح وليس كما يدّعي المتشددون والمتنطعون، ولكننا هنا سنركز على رؤية الإسلام المتوازنة للاحتفال برأس السنة، فنظرته إلى الأمور هي نظرة عميقة وليست سطحية، وفي المقابل فإنه لا يقبل البذخ والقيام بالمحرمات تحت أي عنوان كان، وللأسف في ليالي الاحتفال برأس السنة تكثر مظاهر الترف وارتكاب المنكرات التي تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وهو أمر منهي عنه، كما أن الاحتفالات قد تخل بالالتزام بالضوابط الشرعية، والتقصير في أداء الفرائض والسنن، لذلك على المسلم أن يتفطن لهذه الأمور ولا يعصي الله، ولا ننسى ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لأصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله".

رأس السنة مناسبة للتأمل ومحاسبة النفس

هناك كلام يرويه الإمام علي عليه السلام عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم) ذو دلالة عميقة يقول فيه: "أَكْيَسُ الكيّسين مَن حاسَبَ نفسه وعَمِلَ لِمَا بعد الموت". فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، كيف يحاسب نفسه؟". أجاب الإمام علي (ع): "إذا أصبح ثمّ أمسى"، قبل أن ينام، النّهار انتهى، وأقفل الدكّان، ورجع من عمله، وأراد أن ينام، قبل أن ينام، يأخذ ربع ساعة أو نصف ساعة، "إذا أصبح ثمّ أمسى، رجع إلى نفسه وقال: يا نفسي، إنَّ هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبداً..."، يمكن لنا أن نستدل في سياق هذا الكلام لنؤكد أهمية محاسبة النفس عن يوم مضى في حياتنا وكيف تم استغلاله، فما بالنا بسنة كاملة مضت بل وسنوات انقضت من أعمارنا؟ علينا أن نتأمل في الأخطاء التي ارتكبناها والوقت الذي قد أضعناه في أعمال غير مفيدة وفي غير ما يرضي الله، حتى نتجنب تكرار الأخطاء ونتعلم منها لنستقبل سنة جديدة نجدد فيها طاقاتنا وإيماننا ونوجه أعمالنا وسلوكنا وجهة صحيحة نرضي فيها المولى عز وجل ونقدم ما فيه خير لأنفسنا ولحياتنا ولمجتمعنا حتى تكون لحياتنا قيمة "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره".


*أمين عام المجلس الإسلامي العربي 

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us