رحلة طفلة طرابلس من مكب إلى مقهى ومستشفى برفقة بطل

إسراء ديب
إسراء ديب

يعود الفضل في بقاء طفلة حديثة الولادة على قيد الحياة في مدينة طرابلس، إلى كلب شارد ومواطن عثرا عليها في كيس أسود بلاستيكي بالقرب من البلدية، وهذه الجريمة الانسانية المروّعة تفتح ملف رميّ الأطفال “مجهولي النسب” في الطرق من دون الأخذ في الاعتبار الظروف المحيطة بهم وهم الذين لا حول لهم ولا قوّة.

وفق المعطيات، فإنّ أحد المارة وهو “ي.ص.”، رصد أثناء مروره عند الساعة الثانية والنصف صباحاً بالقرب من “مستشفى شاهين” – التلّ، كلباً اعتقد أنّه يضرب قطة، وعند اقترابه منه لانقاذها، وجد أنّه كيس أسود مخصّص أساساً لرمي القمامة يقوم الكلب بعضّه تارة ورميه من الأعلى إلى الأسفل تارة أخرى، وعند اقترابه أكثر والكشف عنه، وجد أنّها طفلة رضيعة لا تزال على قيد الحياة، لكنّها متعبة للغاية حتّى أنّها لم تتمكن من إطلاق صوتها نظراً الى كثرة بكائها مسبقاً، فقام هذ الرجل الذي لا يرغب في الكشف عن هويته إعلامياً، بتهريب الكلب وأخذ الطفلة التي وجد آثار “عضعضة” على جسدها. 

وبعد الصدمة التي واجهها هذا المواطن، تُشير المعلومات إلى أنّه “توجه مباشرة إلى أحد المقاهي حيث رآها العديد من الناس الذين تعاطفوا مع هذه الحادثة ومع الطفلة التي تبلغ أيّاماً فقط، فطلب العديد منهم أخذها للاعتناء بها، لكنّه رفض، وطلب من أحد الأشخاص التوجه معه إلى المستشفى”.

وتُضيف المعطيات: “إنّ هذا الشخص الذي يتمتّع بضمير إنساني وعاطفة واعية، توجّه سريعاً إلى مستشفى الاسلامي القديم حيث تمّ الاهتمام بها وإطعامها، ولكن كان عليه نقلها إلى مستشفى الحكومي في القبّة، فطلب أجهزة الاسعاف التي لم تلبّ رغبته الطارئة نظراً الى عدم قدرتها على تحمّل هذه المسؤولية كما قيل، إلّا بعد تواصله مع جهاز الطوارئ والاغاثة في أبي سمراء الذي نقلها سريعاً إلى القبّة”.

حسب معلومات “لبنان الكبير”، تبيّن أنّ الطفلة تُعاني من جفاف كبير ورضوض قيل انّها ليست ناتجة عن عضة الكلب، بل عن عملية نقلها من مكب النفايات الذي وجدها فيه، والبعيد حوالي 200 متر عن البلدية ليصل بها أمام مبناها حيث كُتب لها عمر جديد مع مرور هذا المواطن صدفة في هذا التوقيت، لكن “المنقذ” يؤكد أنّ الرضوض ناتجة عن عضات للكلب الذي وجدها في هذه المنطقة.

ووفق المعلومات، فإنّ التحقيقات بدأت لمعرفة تفاصيل هذه الحادثة التي حصلت بالقرب من البلدية التي لم تعرف بهذا الخبر إلّا من الاعلام، ويُمكن التأكيد أنّ الكشف عن الكاميرات لمعرفة هوية الفاعلين وكيفية حدوث هذه الجريمة بالتفاصيل، قد بدأ فعلياً وذلك وفق مصدر أمني يُشدّد لـ “لبنان الكبير” على أنّ الأجهزة الأمنية تُتابع هذا الملف عن كثب لمعرفة ما يُمكن فعله وتحديداً أن عائلات طرابلسية عدّة لم تُرزق بأطفال طلبت تبنّي هذه الطفلة التي لو كانت بقيت في المكب، لوجدها آخرون جثة. 

ويُضيف المصدر: “وفق معطياتنا أو خبرتنا في حصول هذه الحوادث كثيراً في لبنان، فإنّ تبنّي الأطفال في هذه الحالة يُواجه مسيرة طويلة لا يُستهان بها، لكن إنْ عُرفت هوية أهلها وبعد اعتراف والدتها بها لتطلب استعادتها تهرّباً من المسؤولية القضائية مثلاً قد يُوافق القضاء على ذلك من دون سوقها إلى السجن ومحاسبتها فعلياً”. 

من هنا، يُؤكّد مصدر متابع لـ “لبنان الكبير” أنّ هذه الطفلة، كان يُمكن رميها أمام جامع، ميتم، أو أيّ مؤسسة بطريقة تحميها من الموت وذلك لو أراد أهلها بقاءها حيّة، لكن على ما يبدو أنّهم أرادوا التخلّص منها بهذه الطريقة، مشيراً الى أنّ هناك عائلات قامت باستعادة أبنائها من القضاء في وقت سابق، لكنّها عملت على “بيعهم” والافادة من ثمنهم، وهذه جريمة موصوفة أيضاً. 

هذه الجريمة ليست الأولى من نوعها في البلاد، لكن يُقال إنّ والدتها هي من قامت برميها في المكبّ، وهذا لا يُعدّ أمراً بريئاً على الأطلاق، بحيث يعرف القاصي والداني أنّ هذه المنطقة تحديداً تنتشر فيها المئات من الكلاب الشاردة، وقد يكون من أهداف رميها قتلها إمّا عبر بقائها في المكب أو تعرّضها لهجوم من الكلاب، لكنّ القدر شاء أن يكشف هذه الألعوبة التي يتمسّك بها البعض بحجة الفقر الذي لم يكن يوماً سبباً لظلم إنسان. 

أمّا عن الاجراءات القانونية اللازمة سواءً تلك المرتبطة بكشف أهلها البيولوجيين أو تلك المتعلّقة بعملية التبّني، فيتحدّث عنها المحامي محمّد صبلوح، موضحاً أنّ القضاء يتمتّع حتماً بحقّ واضح في المحاسبة على ارتكاب هذه الأفعال المخالفة للانسانية والتي تُؤكّد فعلياً أنّها عائلة لا تستحقّ تربية الأطفال وإنجابهم أساساً.

ويقول لـ”لبنان الكبير”: “بصورة عامّة، إنّ الفحوص اللازمة والمرتبطة بالحمض النووي لا تُجرى محلّياً للأطفال الذين تعرّضوا للموقف عينه بأساليب مختلفة لأنّهم لا يملكون فحوص الوالد أو الوالدة، لكن تُجرى الفحوص العامّة للأطفال وتترك جانباً كما يسعى المستشفى إلى إعداد ملف خاصّ بهم، من هنا يصدر قرار من النيابة العامّة يقضي بتسليم الطفل أو الطفلة إلى جمعية ترعى الأيتام أو الأطفال، أيّ جمعية متخصّصة برعاية هذه الفئة، فيما تُحاول عائلات لم تُرزق بأطفال البحث عن أطفال لتربيتهم، ويُمكنهم تقديم طلبات لدى القضاء حيث يُدرس ملفهم جيّداً وقد ينظر فيه قاضي حماية الأحداث لرصد ما إذا كانت العائلة تستحقّ تربية الأطفال أم لا، فيصدر قرار قضائي برعايتهم، هكذا تكون إجمالاً مسيرة رعاية الأطفال محلياً”. 

ويُضيف: “في حال قام الأهل الأصليون أيّ البيولوجيون بالبحث عن أطفالهم لاستعادتهم، هنا يعود القرار الى القضاء الذي يسمح بالفحص للتأكّد، وقد يرفض القاضي استعادتهم طفلهم، خصوصاً وأنّ القانون قد أولى في الفترة الأخيرة القاضي اتخاذ القرارات اللازمة لحماية الأطفال، فإذا كانت طفلة عمرها بين الـ 10 أو الـ 12 عاماً تعرضت للعنف في منزل والديها مثلاً، قد تلجأ الآن الى المخفر ومباشرة سيصدر قرار قضائي يُسلّمها الى جمعية تعتني بها حتّى أنّ أهلها قد يُحرمون من رؤيتها، باختصار إنّ المحاسبة في هذه الملفات التي تحتضن الطفل في لبنان قائمة ولا يُستهان بها”.

شارك المقال