بمناسبة رفعها إستعداداً للحج… كسوة الكعبة المشرفة عبر التاريخ

زياد سامي عيتاني

رفعت الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين الخميس الماضي، الجزء السفلي من كسوة الكعبة المشرفة بمقدار ثلاثة أمتار تقريباً، وغطت الجزء المرفوع بإزار من القماش القطني الأبيض بعرض مترين تقريباً من الجهات الأربع، وذلك كما جرت العادة السنوية استعداداً لموسم الحج هذا العام. ويُرفع ثوب الكعبة المشرفة عادة على عدة مراحل، تبدأ من فك أسفل الكسوة من جميع الجوانب، وفصل الأركان، ومن ثم فك الحبل السفلي وإخراجه من حلقات تثبيت الكسوة، ولف كسوة الكعبة بارتفاع 3 أمتار، وموازاته على ارتفاع متر واحد، وتثبيته من جميع الجوانب، وفك ثلاثة من القناديل، ثم تثبيت القماش الأبيض على جميع الجهات كل على حدة، مع تركيب القناديل على القماش الأبيض، وصولاً إلى المرحلة الأخيرة، وهي لف الجزء السفلي من ستارة باب الكعبة المشرفة.

ومن وحي المناسبة، ينشر موقع “لبنان الكبير”، أبرز المحطات التاريخية المتعلقة بالكسوة المشرفة عبر الأزمان.

تعد كسوة الكعبة المشرفة من أهم مظاهر التبجيل والتشريف لبيت الله الحرام، ويرتبط تاريخ المسلمين بالكسوة وصناعتها، بحيث برع فيها أكبر فناني العالم الاسلامي، وتسابقوا لنيل هذا الشرف العظيم. وهي كساء من الحرير الأسود المنقوش عليه آيات من القرآن الكريم بماء الذهب، تكسى به الكعبة ويتم تغييرها مرة في السنة، صبيحة يوم عرفة.

النبي كساها في حجة الوداع:

وتأتي الحكمة من كسوة الكعبة أنها شعيرة إسلامية، وهي إتباع ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام من بعده. فقد ورد أنه بعد فتح مكة في العام التاسع الهجري كسا الرسول في حجة الوداع الكعبة بالثياب اليمانية وكانت نفقاتها من بيت مال المسلمين. وجاء الخلفاء الراشدون من بعد الرسول، فقام أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بكسوتها بالقباطي والبرود اليمانية، ثم كساها عثمان بن عفان رضي الله عنه بكسوتين أحدهما فوق الأخرى فكان هذا العمل الأول من نوعه في الاسلام.

كسوة الكعبة أيام الجاهلية:

ويعود تاريخ كسوة الكعبة الى ما ذكر عن عدنان بن إد الجد الأعلى للرسول، وهو واحد ممن كسوها، وقيل إن تبع الحميري ملك اليمن هو أول من كساها في الجاهلية بعد أن زار مكة، وأول من صنع لها باباً ومفتاحاً. وبعده كساها الكثيرون في الجاهلية، حتى آلت الأمور إلى قصي بن كلاب الجد الرابع للرسول، والذي قام بتنظيمها بعد أن جمع قبائل قومه تحت لواء واحد وعرض عليها أن تتعاون في ما بينها. حتى ظهر أبو ربيعة عبد الله بن عمرو المخزومي، وكان تاجراً ذا مال كثير وثراءٍ واسعٍ، فأشار على قريش أن “أكسوا الكعبة سنة وأنا أكسوها سنة”، فوافقت قريش على ذلك، وتوارثت هذا العمل بعد مماته حتى فتح مكة.

الكسوة خلال الدولة الاسلامية:

ثم جاء عهد الدولة الاسلامية، وظهور الكتابة على الكسوة، وفي عصر الدولة الأموية كسيت الكعبة كسوتين في العام: كسوة في يوم عاشوراء، والأخرى في آخر شهر رمضان إستعداداً لعيد الفطر. وحافظ خلفاء بني أمية على تقاليد كسوة الكعبة فكانوا يكسونها من بيت مال المسلمين في المرة الأولى من الديباج الخراساني، والثانية من القباطي. واستمرت الكعبة تُكسى مرتين في السنة في عهد العباسيين حتى جاء الخليفة العباسي المأمون، فرُفِع إليه أن الديباج يبلى ويتخرّق قبل بلوغ عيد الفطر، فأمر بأن تكسى الكعبة ثلاث مرات في السنة: الأولى بالديباج الأحمر يوم التروية، والثانية بالقباطي يوم هلال رجب، والثالثة بالديباج الأبيض وتكسى به يوم 27 رمضان. وقد تغير لون كسوة الكعبة عدة مرات خلال الحقبة العباسية، فكُسيت بالديباج الأحمر والأبيض، ثم كُسيت بالديباج الأصفر ثم بالديباج الأخضر، ولما تولى الخلافة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد (575هـ – 622هـ) كساها بالديباج الأسود وإستمر حتى اليوم.

ونافس الفاطميون خلفاء بني العباس على كسوة الكعبة منذ سيطرتهم على مصر سنة 362 هـ/ 973 م، إذ أمر المعز لدين الله الفاطمي بعمل كسوة الكعبة في مصر وإرسالها باسمهم إلى مكة، وكانت هذه الكسوة مربعة الشكل من ديباج أحمر وفي حوافها 12 هلالاً ذهبياً، وفيها ياقوت أحمر وأصفر وأزرق، ومنقوش عليها بحروف من الزمرد الأخضر المزين بالجواهر الثمينة. وكان الظاهر بيبرس البندقداري أول من كساها من ملوك مصر المملوكية.

وكسوة الكعبة المشرفة في العصر المملوكي كانت من حرير أطلس، سوداء حالكة شعار العباسيين ومبطنة بالكتان، وكان يكتب عليها آيات الحج مطرزة بكتابة بيضاء فى النسيج ذاته وفي أعلاها مكتوب بالتطريز إسم السلطان، ثم تحولت الكتابات إلى اللون الذهبي منذ عصر السلطان الظاهر فرج بن برقوق وحتى الآن. لم يحل سقوط دولة المماليك في مصر وخضوعها للدولة العثمانية دون إستمرار مسيرة مصر في كساء الكعبة المشرفة. ففي العام التالي للفتح العثماني وفي يوم الاثنين (12 من رمضان) عرض والي مصر كسوة الكعبة المشرفة وقد تناهوا في زركشة برقع كسوة الكعبة المشرفة وملحقاتها على خلاف المعتاد، وأقيم إحتفال كبير بالقلعة من أجل هذه المناسبة.

وأثناء إقامة السلطان سليم الأولفي في مصر إهتم بإعداد كسوة الكعبة، وكسوة الحجرة النبوية الشريفة، وكسوة مقام إبراهيم الخليل عليه السلام، وقد بالغ في زركشتها. وكان السلطان سليم الأول قد أقر وقف السلطان الصالح إسماعيل بن قلاوون المخصص لكسوة الكعبة، أما السلطان سليمان القانوني فقد رأى عدم وفاء هذا الوقف بإلتزامات الكسوة فقرر وقف سبع قرى أخرى عليها، ليصير بذلك إجمالي القرى الموقوفة على كسوة الكعبة تسع قرى. وبعد عصر السلطان سليمان القانوني كان كل سلطان يتولى عرش الدولة العثمانية يقوم بإهداء كسوة جديدة للكعبة المشرفة، وترسل بإنتظام من مصر بصورة سنوية يحملها أمير الحج معه في قافلة الحج المصري.

وعندما تولى محمد علي باشا حكم مصر قام بإرسال أول كسوة للكعبة في عهده في ذي القعدة 1220هـ يناير 1806م، ثم توالى إرسالها حتى حدث الاصطدام بين الوهابيين في الأراضي الحجازية وقافلة الحج المصرية في عام 1222 هـ-1807م فتوقفت مصر عن إرسال الكسوة مدة ست سنوات حتى استقرت الأمور في الحجاز، ولم ترسل الى الكعبة المشرفة كسوة من مصر إلا في شوال عام 1228هـ-1813م، على الرغم من عملها كسوة في عام 1223هـ ولكنها لم ترسلها، وظلت محفوظة طيلة هذه المدة إلى أن قرر محمد علي السفر إلى الأراضي الحجازية بنفسه.

وكانت كسوة الكعبة قد انتهى أمر صناعتها إلى دار كسوة الكعبة المشرفة في حي الخرنفش بالقاهرة، وذلك بعد أن طافت بأماكن كثيرة نالت شرف صناعة الكسوة الشريفة بها، مثل دمياط والاسكندرية، والقلعة ودار الخرنفش، وأيضاً المشهد الحسيني بالقاهرة. ظل خلفاء محمد علي من بعده محافظين على إرسال الكسوة إلى مكة كل عام، ولم تتوقف مصر عن إرسال الكسوة سوى مرات قليلة كانت بسبب الحرب العالمية الأولى، ومرة ثانية بسبب أزمة نشبت بين مصر وحكومة السعودية، خلال الفترة من 1926 و1936.

  • الكسوة السعودية: بحلول العام 1962، بدأ الدور السعودي بكسوة الكعبة المشرفة، بعد أن كلف الملك عبد العزيز آل سعود إبنه الأمير فيصل أن يشرف بنفسه على إنشاء مصنع لصناعة كسوة الكعبة، فأنشئ مصنع أجياد كأول مصنع سعودي لكسوة الكعبة، وكانت غالبية العاملين فيه من الفنيين الهنود مع بعض السعوديين. وفي العام 1397هـ1977م أنشأت السعودية مصنعاً جديداً لكسوة الكعبة بمنطقة أم الجود بمكة المكرمة، وزودته بأحدث الامكانات اللازمة لإنتاج الكسوة، مع الإبقاء على أسلوب الانتاج اليدوي لما له من قيمة فنية، ومصنع أم الجود لا يزال مستمراً حتى الآن في نيل هذا الشرف.
  • مواصفات الكسوة: تنسج كسوة الكعبة من الحرير الطبيعي الخالص المصبوغ باللون الأسود، وقد نقشت عليه عبارات “لا إله إلا الله محمد رسول الله الله جل جلاله.. سبحان الله وبحمده.. سبحان الله العظيم.. يا حنان يا منان”. ويبلغ ارتفاع الثوب 14 متراً، وفي الثلث الأعلى من هذا الارتفاع حزام الكسوة بعرض 95 سنتيمتراً كتبت عليه آيات قرآنية مختلفة بالخط الثلث المركب محاطة بإطار من الزخارف الاسلامية، ويطرز الحزام بتطريز بارز مغطى بسلك فضي مطلي بالذهب، ويحيط الحزام بالكسوة كلها ويبلغ طوله 47 متراً، كما هناك تحت الحزام على الأركان سورة الإخلاص مكتوبة داخل دائرة محاطة بشكل مربع من الزخارف الاسلامية. وعلى الارتفاع نفسه وتحت الحزام أيضاً، هناك 6 آيات من القرآن الكريم، يفصل بينها شكل قنديل كتب عليه “يا حي يا قيوم” أو “يا رحمن يا رحيم” أو”الحمد لله رب العالمين”. أما ما تحت الحزام فمكتوب جميعه بالخط الثلث المركب ومطرزاً تطريزاً بارزاً، ومغطى بأسلاك الفضة المطلية بالذهب، أما ستارة باب الكعبة ويطلق عليها البرقع، فمصنوعة من قماش الحرير الأسود نفسه، وارتفاعها ستة أمتار ونصف المتر، وعرضها ثلاثة أمتار ونصف المتر، ومكتوب عليها آيات قرآنية وزخارف إسلامية. وتبطن الكسوة كلها بقماش خام قوي، وتتكون من خمس قطع تغطي كل واحدة منها وجهاً من أوجه الكعبة والقطعة الخامسة هي الستارة التي توضع على الباب، وهناك أعلى الحائط الغربي للكعبة قطعة حرير حمراء منقوش عليها بخيوط من الذهب والفضة وإهداء ممهور باسم خادم الحرمين الشريفين.
شارك المقال