يُعتبر ملعب بيروت البلدي بمثابة “قلب بيروت”، ويتجاوز كونه مجرد “مشروع تجاري” أو “منشأة رياضية”. فهذا الملعب يعد إرثاً ثقافياً حقيقياً يرمز الى تاريخ المدينة، وخصوصاً منطقة الطريق الجديدة، اذ كان أول منشأة رياضية فيها، حتى أن الحي ارتبط به وسُمي باسمه.
يحمل الملعب في طياته ذكريات شعب بيروت، وتم تأسيسه على يد الفرنسيين في العام 1936، وسلمت مفاتيحه بعد الاستقلال إلى قائد الجيش فؤاد شهاب. خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، تعرض الملعب للتدمير، لكن المسلمين والمسيحيين اجتمعوا فيه ليؤدوا الصلاة اعتراضاً على الاجتياح، ما يعكس دوره كمكان جامع للذكريات.
لقد شهد الملعب على تاريخ كرة القدم اللبنانية، بحيث ساهم في تطور اللعبة وأنجب أجيالاً رياضية على مر العقود. احتضن أقوى المباريات التي تركت بصمتها في ذاكرة اللبنانيين، وما زالت حاضرة في أذهانهم.
وعلى الرغم من محاولات طمس معالمه عبر بناء مراكز بديلة، إلا أن أبناء بيروت كان لهم الصوت الرافض، ليحافظوا على هذه القيمة التي تعكس جمال العاصمة وفعالياتها الرياضية التي لا تُنسى لرموزها.
في اليومين الماضيين، أُقيمت مباراة ودية تضامنية بين فريق الأنصار ومنتخب فلسطين، دعماً للشعب الفلسطيني. وحضرت اللقاء جماهير غفيرة، خصوصاً أن المنتخب الفلسطيني في الشتات يمثل قضيته في لبنان. كما أنها المباراة الأولى لنادي الأنصار على ملعب بيروت البلدي منذ فترة طويلة، فكان لافتاً الحضور الجماهيري الكبير في الملعب. وأعادت هذه المباراة ذكريات جميلة للعديد من أبناء العاصمة، واستعاد الملعب البلدي بريقه كصرح رياضي مهم في بيروت، بعد فترات طويلة من الإهمال على الرغم من أنه حتى الآن غير جاهز بتاتاً لأي مباراة رسمية. واُعتبرت هذه المباراة الثانية خلال شهرين التي شهدت فيها مدرجات الملعب زخماً جماهيرياً، إذ احتشد جمهور الأنصار لمتابعة مباراة ختام الدوري الـ64 بالآلاف، ما أظهر أهمية الملعب في الحياة الرياضية والثقافية البيروتية.
وتعليقاً على هذا الموضوع، يقول الاعلامي حسن شرارة لموقع “لبنان الكبير”: “نشأنا على ذكريات ملعب بيروت البلدي وما شهدته من مباريات تاريخية، خصوصاً تلك التي جمعت بين فريقي النجمة والأنصار. كانت المنطقة، ولا تزال، تضج بالحياة والحيوية، وذكريات الزخم الجميل في الطريق الجديدة تبقى حاضرة في أذهاننا. من يتذكر هذا الملعب اليوم لا بد من أن يتمنى عودته الى الحياة، ليعيد النشاط لمدينة كاملة”.
وعما يحتاج اليه الملعب اليوم، يوضح شرارة أن “المعلومات المتوافرة لدي تفيد بأن الملعب يحتاج بصورة أساسية إلى تحسين أرضيته، بينما يمكن تجهيز بقية المرافق. ومع ذلك، تبقى التفاصيل المتعلقة بوضع الملعب غامضة بالنسبة الى بلدية بيروت”.
تنقصه اصلاحات بسيطة
وفي حديثه عن مستقبل ملعب بيروت البلدي، أشار المدير العام لنادي الأنصار عباس حسن لموقع “لبنان الكبير” إلى أن المبادرات العديدة التي طرحها نادي الأنصار لا تزال قائمة، والنادي قدم عرضاً لإعادة تأهيل الملعب وإعادته إلى حالته السابقة، ولكن لم تتم الموافقة على العرض لأسباب لا تزال غير واضحة.
وقال حسن: “هذا المرفق الحيوي، الذي أعاد تشييده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يعود بالفائدة على أهالي منطقة الطريق الجديدة والأندية البيروتية. فهذه الأندية، بما فيها نادي الأنصار، تجد أن ملعب بيروت البلدي حاجة ضرورية للعودة بدل أن تتنقل لتلعب مباريات خارج ملعبها”.
وأكد أن “ما ينقص الملعب هو الإرادة وبعض الاصلاحات البسيطة، مثل تحسين أرضيته وزراعة العشب بين الطبيعي والصناعي. المنصة بحاجة إلى تحسينات، كما أن الساعة الأساسية والغرف المغلقة تحتاج إلى صيانة.”
ولفت حسن إلى دراسة موسعة أجرتها ادارة نادي الأنصار، الذي زارته لجنة من شركات تركية مختصة بالعشب Hybrid، وهو نوع جديد تستخدمه “الفيفا”، وتم الكشف عن وجود موارد مياه مالحة تؤثر سلباً على العشب.
وشدد حسن على أن الملعب قادر على العودة إلى حالته السابقة، وأن تكلفته ليست مرتفعة بالمقارنة مع الفوائد المعنوية والمادية التي ستعود على المنطقة، موضحاً أن “المنفعة الاقتصادية تأتي من خلال السياحة الرياضية التي كانت تدعم المحال المجاورة للملعب.”
وتساءل حسن: “لماذا لا يعود ملعب بيروت البلدي؟”.


