البحث عن “روحة بلا رجعة”

 

طوال حياتي كنت أظنّ أنني وإن اخترت السفر إلى عالم لم أعرفه قط سوى في الصور والافلام، سيأتي خياري هذا نتيجة رغبتي بتكملة دراستي الجامعية في الخارج. وكان خياري بقناعةٍ تامة أنني لن أتردد في العودة إلى وطني الأم لأوظّف كل ما اكتسبته من معرفة في سبيل تحقيق أحلامي في وطني. زدتُ قناعةً مع الأيام أن الهجرة لا تحتل أي مرتبة في سلّم أولوياتي، فحياتي هنا. أهلي، بيتي، رفاقي، وكل ما عرفته يومًا، عرفته داخل حدود الوطن.

ولكن أبواب الجحيم استطاعت أن تقوى على قناعتي، فكبّلتها حتى دمرتها فلم يعد للإيمان بالوطن مكاناً في كياني. هذه الحقيقة المرّة لم تنمُ في وجداني إلا عند مشاهدتي الخراب والنار تلتهمان مدينة السلام، بيروت. حادثة تلو الأخرى، أرغمتُ على حضور دفن رفاقي قبل أن تتسنّى لي الفرصة أن أرقص فرحًا في عرسهم. أجبرتُ أن أشاهد أمّاً في الدكان تعيد الحليب إلى الرفّ لأنها لا تستطيع تحمّل كلفته. استمعت إلى حديث الصبحية كل يوم يتحوّل من “شو طابخين اليوم؟” لـ”عرفتو مين مات؟” نتيجة تقاعس الدولة عن القيام بواجبها لحماية مواطنيها من فيروس فتّاك قضى على حياة الآلاف. حتى نزهاتي مع رفاقي، تحوّلت إلى أحاديث حزينة، فكيف يمكن الحديث عن أي شيء سوى “ما لقيت شغل” أو”لو ما أهلي هون كنت فلّيت”. ففي كل جَمعة، تزيد قناعتي أن لبنان أصبح مقبرة الأحلام، فكيف لي أن أبقى؟

نصف رفاقي قد سبقوني وهاجروا من لبنان، والنصف الآخر – ومنهم أنا – يبحث عن أول فرصة للتوجه إلى مطار بيروت وركوب الطائرة “روحة.. بلا رجعة”.

غريب أمرك يا لبنان، كنت أقف عند الحاجز الحديدي في المطار أودّع أقاربي وأصحابي وكلّي إيمان أنني لن أقف وقفة الوداع الصعب في المطار. أما اليوم، فإنني أبحث عن بصيص أمل لإلقاء آخر تحية لتراب الوطن، قبل الذهاب.

والذنب ذنب من؟ من الذي حوّل إيماننا بأحقية البقاء إلى شك؟ من عزز في نفوسنا خيار الهجرة ومن كان سبب غصة كل أم وأب وهما يودّعان ولدهما الحبيب؟ ومن كان وراء كل كسرة خاطر شب أو صبيّة وهم يديرون الظهر لأحلام الطفولة البريئة؟.

نحن نعرف الداء والدواء. فهل سنتجرأ على الحلم مرة أخيرة لتغيير واقعنا المرير ووضع حد لهجرة شبابنا؟. هذا سؤال لم أتجرأ على طرحه، ليت يكون جوابه صعباً فينتهي بي الأمر أمام مطار بيروت، ألقي الوداع الأخير على من أحببتهم.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us