كشّرت اسرائيل عن أنيابها وكشفت عن دمويتها مجدداً فور مغادرة المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين بيروت، فشنّت غارات عنيفة على الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، مخلفة دماراً مرعباً ومرتكبة مجازر مروعة، على وقع اشتداد المعارك البرية، لا سيما على محور بلدة الخيام، التي تشهد معارك ضارية.
وفي تل أبيب التي وصل إليها هوكشتاين قادماً من بيروت من أجل استكمال المحادثات بشأن وقف إطلاق النار، اهتزت إدارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد إصدار المحكمة الجنائية الدولية، أوامر اعتقال بحقه وبحق وزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بخصوص “جرائم حرب في غزة”، وكذلك أصدرت مذكرة بحق القيادي في حركة “حماس” محمد الضيف، إلا أن الواقعة كانت أكثر ثقلاً على نتنياهو وغالانت لأن من شأنها تشكيل المزيد من الضغط على اسرائيل والزيادة من عزلتها الدولية، بحيث قد يؤثر الأمر على العلاقات التجارية بينها وبين الدول الموقعة على اتفاقية روما، لا سيما لجهة عرقلة صفقات الأسلحة، عدا عن إمكان تعرض المطلوبين من المحكمة للاعتقال على أراضي هذه الدول.
غارات مكثفة على الضاحية
اذاً، موجات من الغارات الوحشية شنّها الجيش الاسرائيلي أمس على المناطق اللبنانية، واستهدفت غارات متلاحقة الضاحية الجنوبية لبيروت بدأت فجر الخميس، وأضيفت إليها جولتان من الغارات خلال ساعات النهار، عقب إنذارات للسكان بالإخلاء. ومساء، أصدر إنذارات لإخلاء 3 أبنية في منطقة الغبيري وحارة حريك، التي كانت تعرضت فجراً إلى 3 غارات قال الجيش الاسرائيلي إنها استهدفت “مقرات قيادة وبنى عسكرية” استخدمها “حزب الله” لـ”تخطيط وتنفيذ مخططات إرهابية ضد مواطني إسرائيل”.
وظهراً، شنّ الطيران الحربي غارة على حارة حريك، وغارتين على منطقة الكفاءات، أسفرت إحداها عن دمار مبنى وتضرر عدد من الأبنية المحيطة به.
وفي جولة غارات أخرى، استهدفت اثنتان منطقة حارة حريك، بينما طالت الغارة الثالثة شارع الجاموس في منطقة الحدث.
وفي وقت لاحق، أعلن الجيش الاسرائيلي أنه أكمل سلسلة ثالثة من الغارات على “مراكز قيادة لحزب الله” في الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك بعيد توجيه المتحدث باسم الجيش باللغة العربية، أفيخاي أدرعي، إنذاراً رابعاً بإخلاء 3 أبنية في منطقة الغبيري.
أحزمة نارية في جنوب لبنان
وجنوباً، وجه الجيش الاسرائيلي صباح الخميس إنذارات إخلاء للسكان طالت مبنى في مدينة صور الساحلية، و3 مناطق قريبة منها، ونفذ تهديداته وشن الطيران الحربي أحزمة نارية بالقصف الجوي.
مجازر في بعلبك ومحيطها
أما في البقاع، فقد تعرضت بعلبك ومحيطها لسلسلة غارات عنيفة أدت إلى مقتل أكثر من 40 شخصاً،بحيث ارتكب الطيران الحربي مجازر في مناطق نبحا ومقنة ويونين وبريتال وفلاوى، ولم يعرف عدد الإصابات في مناطق أخرى استهدفت.
اشتداد المعارك البرية
يأتي ذلك في ظل محاولات إسرائيلية للوصول إلى مدينة الخيام الاستراتيجية في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، حيث تبنى “حزب الله” قصف تحركات جنود عند أطرافها 6 مرات، إلى جانب قصف تجمعات في مواقع إسرائيلية مقابلة لبلدات حدودية.
وأفادت قناة “المنار”، الناطقة باسم “الحزب”، بأن الجيش الاسرائيلي حاول عبر عدد من الدبابات، التوجه نحو الشمال الشرقي لمدينة الخيام انطلاقاً من الوطى، حيث وصل بعض الدبابات إلى محيط معمل فرز النفايات عند المنخفض الشرقي المحاذي لكروم الزيتون التابعة لأراضي بلدة أبل السقي، في ظل غطاء ناري كثيف جداً من الغارات الجوية والقصف المدفعي العنيف على أنحاء مختلفة “في ما يشبه عملية تغطية لبدء التوغل صعوداً أو إكمال التوغل نحو الشمال الشرقي”.
وتحدثت القناة عن “مواجهات ضارية، وصعوبة كبيرة” واجهتها القوات الاسرائيلية في التقدم نتيجة صمود المقاتلين، و”المقاومة الشرسة داخل الحيين الشرقي والجنوبي على الرغم من المحاولات المتكررة والمستمرة منذ 5 أيام، والتي كان آخرها ليل الأربعاء”. وقالت إن “العدو عاجز عن تحقيق أي اختراق في الوسط”.
عمليات “حزب الله”
إلى ذلك، أعلن الحزب عن استهداف قواعد عسكرية إسرائيلية، بينها قاعدة جوية عسكرية في جنوب إسرائيل لأول مرة، مشيراً الى استهدافه برشقة من “الصواريخ النوعية” الخميس قاعدة “حتسور” الجوية شرق مدينة أشدود، الواقعة في جنوب إسرائيل على بعد نحو 150 كيلومتراً من الحدود مع لبنان. كما قال إنه قصف قاعدة “شراغا” (المقر الاداري لقيادة “لواء غولاني”) شمال مدينة عكا، مرتين بالصواريخ. وتبنى قصف موقع الإنذار المُبكر “يسرائيلي” (مركز تجمع استخباري رئيسي يتبع “فرقة الجولان 210”) على قمّة جبل الشيخ في الجولان السوري المُحتل، ونفذ هجوماً جوياً بسرب من المُسيّرات الانقضاضيّة على “قاعدة حيفا البحريّة”، وهي تتبع سلاح البحريّة في الجيش الاسرائيلي، وتضم أسطولاً من الزوارق الصاروخيّة والغواصات، وهي تبعد عن الحدود اللبنانيّة 35 كيلومتراً.
هوكشتاين في تل أبيب
وفي تل أبيب، أجرى هوكشتاين محادثات لأربع ساعات مع نتنياهو، ثم مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ورئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي في وزارة الدفاع، وذلك غداة وصوله من لبنان، بعد مناقشة بنود معدلة في الورقة الأميركية لوقف إطلاق النار مع المسؤولين اللبنانيين.
وواكبت تل أبيب التعديلات اللبنانية، بتأكيد مسؤول إسرائيلي في إحاطة صحافية، أن “حرية عمل الجيش الاسرائيلي لمهاجمة وجود حزب الله جنوب الليطاني، سيتم الحفاظ عليها إذا جرى رصد تهديد ضد إسرائيل”.
وذكرت تقارير إسرائيلية أن “هناك مخالفات أخرى، مثل إعادة تأسيس تشمل إنشاء مستودعات أسلحة”، مشيرة إلى أنه “سيتم عرض المواقع القتالية والمخابئ تحت الأرض على اللجنة الدولية التي سيتم تشكيلها لتنفيذ الاتفاق”.
ونقلت وسائل إعلام اسرائيلية عن مصادر سياسية أن هوكشتاين بحاجة إلى جولات إضافية من أجل إبرام الاتفاق.
“الجنائية الدولية”
الى ذلك، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمس أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الاسرائيلي ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت ومحمد دياب إبراهيم المصري، الشهير باسم محمد الضيف، القيادي في حركة “حماس” بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وذكر القضاة في قرار إصدار أوامر الاعتقال أن هناك أسباباً كافية للاعتقاد بأن نتنياهو وغالانت مسؤولان جنائياً عن ممارسات تشمل القتل والاضطهاد واستخدام التجويع سلاحاً في الحرب في إطار “هجوم واسع وممنهج ضد السكان المدنيين في غزة”.
وأضاف القضاة أن هناك أيضاً أسباباً كافية للاعتقاد بأن الحصار المفروض على غزة ونقص الغذاء والمياه والكهرباء والوقود والإمدادات الطبية “أوجد ظروفاً معيشية مصممة لإحداث تدمير بجزء من السكان المدنيين في غزة، ما أسفر عن وفاة مدنيين، من بينهم الأطفال، بسبب سوء التغذية والجفاف”.
وقوبل القرار بغضب في إسرائيل التي وصفته بأنه مخز وسخيف. وأعرب سكان غزة عن أملهم في أن تساعد الخطوة في إنهاء العنف وتقديم المسؤولين عن جرائم الحرب إلى العدالة. ورحبت “حماس” بمذكرات الاعتقال ضد الاسرائيليين، وقال مسؤول كبير لـ “رويترز” إنها خطوة على طريق العدالة.
وقالت الولايات المتحدة، الداعم الديبلوماسي الرئيسي لإسرائيل، وهي ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، إنها “ترفض بشكل قاطع قرار المحكمة إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين كبار”.


