بعد 50 عاماً من الحكم بقبضة حديدية، يبدو أن آل الأسد يعيشون أخر أيامهم في سوريا، بعد أن أصبحت فصائل المعارضة تحكم الطوق حول عاصمة بشار الأسد، دمشق، وسط مشاهد إسقاط تماثيل والده وشقيقه وتمزيق صوره ودوسها بالأقدام وإحراقها، في المناطق التي دُحرت منها قواته، بينما لا يزال الرئيس السوري متوارياً عن الأنظار منذ أكثر من أسبوع، وتتداول تسريبات عن عدم وجوده في سوريا أساساً، وما زاد الأمر تعقيداً هو انتشار خبر عن القائه كلمة أمس، ليتم نفي الخبر لاحقاً، ونقلت “سي أن أن” عن مصادر اختفاء عناصر الحرس الرئاسي السوري وغياب أي انتشار لهم.
وفيما يحاول حليف الأسد “حزب الله” لملمة ذيول الهزيمة في حربه الأخيرة مع اسرائيل، يجد نفسه في خضم حرب جديدة، بحيث كشفت وسائل الاعلام عن إرسال الحزب ألفي عنصر إلى حمص، بعد أن أصبحت الفصائل المعارضة، على أبوابها، ما يشكل تهديداً مباشراً للحزب في مناطق نفوذه السورية لا سيما في القصير.
الفصائل تطوّق دمشق
وكان حسن عبد الغني القيادي في الفصائل المسلحة، التي تشنُّ هجوماً منذ الأسبوع الماضي، قال : “بدأت قواتنا بتنفيذ المرحلة الأخيرة بتطويق العاصمة دمشق”. وأشار أيضاً الى أن الفصائل سيطرت على معسكر للجيش وسلسلة من القرى حول مدينة حمص.
وخاطب أبو محمد الجولاني زعيم “هيئة تحرير الشام”، الفصائل قائلاً: “دمشق تنتظركم”.
وكان “المرصد السوري لحقوق الانسان” أفاد بأن قوات الجيش السوري أخلت بلدات تبعد نحو 10 كيلومترات عن العاصمة دمشق من الجهة الجنوبية الغربية.
وأضاف مدير المرصد، رامي عبد الرحمن، في تصريحات لـ”وكالة الصحافة الفرنسية”: “القوات الحكومية أخلت كذلك فرع سعسع للمخابرات العسكرية” في ريف دمشق، الذي يبعد نحو 25 كيلومتراً عن العاصمة.
حمص انتهت
ولاحقاً قال عبد الرحمن: “أم المعارك حمص انتهت الآن لأن القيادة في سوريا انتهت، ونأمل أن تنتهي المعارك من دون المزيد من الدماء وذلك لأن الوضع تغير في دمشق، فأم المعارك انتهت وكل ما بنته إيران في سوريا بـ11 عاماً انتهى بـ 11 يوماً والمرحلة القادمة يجب أن تكون حقن الدماء، ولا يكون هناك انتقام أحد من أحد”.
وأضاف: “الذين يتواجدون في دمشق هم مجموعات المصالحة كالمعضمية لذلك النظام انسحب وضباط من الجيش انسحبوا لأنهم لم يريدوا أن يقاتلوا وكل ما تمت السيطرة عليه من أطراف دمشق الجنوبية إلى القنيطرة تم مع الرجاء من المسلحين أن يحافظوا على المقدسات الشيعية لكي لا تستغل إيران هذا الأمر، وهي التي تدخل في سوريا بهذه الحجة”.
ذعر في دمشق
وما إن أعلنت الفصائل المعارضة بدء استعدادها لتطويق دمشق، حتى ساد الهلع شوارع العاصمة، مع مسارعة سكان للتموين. وأغلقت غالبية المحال والمؤسسسات التجارية وحتى الصيدليات أبوابها.
وفي ساحة المحافظة وسط دمشق، اكتظت السيارات بعضها خلف بعض، بينما كان مارة يسيرون وهم يحثون الخطى، إلى جانب ازدحام كبير على أجهزة السحب الالكتروني قرب المصارف.
وزادت الأنباء والرسائل التي تم تناقلها عبر مواقع الانترنت والتطبيقات، حول مغادرة الرئيس الأسد دمشق، الوضع سوءاً.
وواظبت شرطة المرور على تنظيم حركة السيارات في الشوارع الرئيسية التي شهدت اكتظاظاً، بينما سجّل انتشار لقوى الأمن والجيش في منطقة المزة، التي تضم مقار ومؤسسات أمنية وديبلوماسية.
وخلال جولة مساء على عدد من أحياء العاصمة، قال وزير الداخلية السوري اللواء محمّد الرحمون: “أطمئن المواطنين هناك طوق قوي جداً أمني وعسكري على الأطراف البعيدة لدمشق وريفها”. وأكد أنه “لا يمكن لأي كان، لا هم ولا مشغليهم ولا داعميهم أن يخترقوا هذا الخط الدفاعي الذي تقوم به القوات المسلحة”.
وعن حالة الهلع في دمشق، اعتبر الرحمون أن “من حق الناس أن تقلق”.
إسقاط تمثال حافظ الاسد
وفي ضاحية جرمانا، حيث تقطن غالبية من الدروز والمسيحيين، وعائلات نزحت خلال سنوات الحرب التي تشهدها سوريا منذ العام 2011، تجمع عشرات المتظاهرين السبت في ساحة المدينة قرب تمثال نصفي للرئيس الراحل حافظ الأسد، ورفع أحدهم علم طائفة الموحدين الدروز وهم يرددون هتاف “سوريا لنا وليست لعائلة الأسد”. وأسقط عدد منهم التمثال الذي كان مرفوعاً على قاعدة داخل الساحة.
وفي شريط فيديو، يظهر عشرات الشبان أثناء إسقاط التمثال قبل سحبه في الشارع، على غرار ما جرى السبت في مدينة درعا وقبل أيام في مدينة حماة التي سيطرت عليها الفصائل المعارضة.
“الحزب” يرسل ألفي عنصر إلى حمص
إلى ذلك، أرسل “حزب الله” ألفَي مقاتل إلى منطقة القصير السورية الحدودية مع لبنان، حيث يتمتّع بنفوذ كبير، على ما أفاد مصدر مقرب من الحزب “وكالة الصحافة الفرنسية” السبت.
وقال المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، إن “حزب الله أرسل ألفَي مقاتل إلى منطقة القصير الحدودية؛ للدفاع عن مواقعه”.
وأشار في الوقت نفسه إلى أن الحزب “لم يشارك في أي معركة بعد” ضدّ الفصائل المسلحة التي تحقّق تقدّماً كبيراً على حساب الحكومة السورية في شمال البلاد ووسطها.
فرار عناصر الجنود السوريين الى العراق
وفي العراق، سمحت سلطات بغداد بدخول “مئات” الجنود السوريين “الفارّين من الجبهة” إلى العراق عن طريق معبر القائم الحدودي، الذي قامت بإغلاقه في وقت لاحق السبت.
وقال مسؤول أمني عراقي، لـ”وكالة الصحافة الفرنسية”، إن “عدد الجنود السوريين الذين دخلوا العراق بلغ ألفين بين ضابط وجندي”، لافتاً إلى أن “دخولهم جاء بالاتفاق مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، وبموافقة القائد العام للقوات المسلحة” رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.
تضارب حول مكان الأسد
وأصدرت الرئاسة السورية بياناً نفت فيه “كل الشائعات والأخبار الكاذبة” حول مغادرة الأسد، مؤكدة أنه “يتابع عمله ومهامه الوطنية والدستورية من العاصمة” السورية.
وكان آخر ظهور للأسد الأحد الماضي خلال استقباله وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي.
تعليقات أميركية على الأحداث
وفيما أعلن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب أنه لا يجب أن تكون لبلاده علاقة بأحداث سوريا، أشار المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين الى أن الوضع في سوريا يُشكل نقطة ضعف جديدة لـ”حزب الله”؛ لأنه يصعب على إيران إدخال الأسلحة بينما يبدو أنها تنسحب من سوريا، معتبراً أن انهيار الجيش السوري لم يكن مفاجأة كبيرة، لكن في المرة السابقة هبّت قوتان عظميان لمساعدته.
وقال هوكشتاين خلال منتدى الدوحة: “لا أعتقد أننا قضينا على حزب الل) أو هزمناه، لكنه ربما لا يكون قوياً بما يكفي لمهاجمة إسرائيل أو دعم الرئيس السوري بشار الأسد”.
وأضاف: “واشنطن بحاجة إلى تعزيز دعمها للجيش اللبناني، وعلى الجميع فعل ذلك”. ورأى أنه سيكون من الصعب على إيران تزويد “حزب الله” بالأسلحة في سوريا بسبب الوضع هناك، لافتاً الى أن إيران تسحب دعمها من سوريا على ما يبدو من دون أن يوضح كيفية قيامها بذلك.


