بعد نشوة النصر بسقوط الأسد، ومأساة البحث عن المعتقلين والمفقودين في أقبية النظام القمعية التي هزت البشرية، ومع اعلان إدارة “العمليات العسكرية” التابعة للسلطة الجديدة إلغاء حظر التجول في العاصمة السورية والطلب من السكان العودة إلى أعمالهم وأن يساهموا في بناء سوريا الجديدة، بدأت الحياة تعود إلى شوارع دمشق، على وقع تسيير الوحدات الشرطية التابعة لوزارة الداخلية حركة المرور، وظهر في الأسواق توافر الخضراوات والفواكه والمواد الغذائية، وكذلك غصت المخابز والمقاهي بالزبائن، فيما أعلن رئيس الحكومة المكلف محمد البشير أن الوضع المالي للحكومة “سيء للغاية”، مشيراً إلى أن نظام الأسد ترك ورثة ضخمة وفاسدة، وليس هناك حالياً غير الليرة السورية، التي لا تساوي شيئاً، لا سيما في ظل انعدام وجود عملة أجنبية.
وفيما تنشغل المعارضة ببناء سوريا جديدة، يحاول لبنان انجاز أبسط المسؤوليات السياسية، انتخاب رئيس للجمهورية لانهاء حالة الفراغ المسيطرة على البلد منذ أكثر من سنتين، وقد عادت الحركة الى مياه الرئاسة الراكدة، لأول مرة منذ تأجج الحرب، فزارت اللجنة الخماسية عين التينة والتقت رئيس مجلس النواب نبيه بري، لإعطاء الزخم لجلسة 9 كانون الثاني المقبل، والتي أعلن السفير المصري علاء موسى نقلاً عن بري أنها ستكون جلسة بدورات مفتوحة.
اسرائيل تستمر بخرق الاتفاق
يأتي الحراك الرئاسي في لبنان من ضمن الصفقة التي عقدت من أجل وقف اطلاق النار، الذي يهتز كل فترة بسبب الخروق الاسرائيلية، بحيث قُتل خمسة أشخاص جراء غارات جديدة استهدفت بلدتين في جنوب لبنان، وفق ما أفادت وزارة الصحة.
وتزامن ذلك مع إعلان الجيش اللبناني، في بيان، تمركُز وحداته في خمسة مواقع حول بلدة الخيام الحدودية التي تعرضت لغارات كثيفة وتوغلت فيها قوات إسرائيلية، ونسفت كثيراً من أحيائها خلال الحرب الأخيرة، من دون أن تسمح لسكانها بالعودة إليها مرة أخرى.
نتنياهو: نفكك محور الشر
إلى ذلك، أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تعمل حالياً على تفكيك “محور الشر” التابع لإيران. وقال في جلسة خاصة للبرلمان، تكريماً لرئيس باراغواي سانتياغو بينيا، إنه منذ هجوم “حماس” في السابع من تشرين الأول 2023، اضطرت إسرائيل الى خوض حرب مما يسميه الجانب الايراني “محور المقاومة”، وهي ترد بقوة.
“البعث” يعلق عمله
وفي سوريا، أعلن حزب “البعث” الحاكم في البلاد منذ أكثر من 50 عاماً، تعليق عمله ونشاطه الحزبي “حتى إشعار آخر”، بعد 3 أيام من إعلان فصائل معارضة إسقاط الرئيس بشار الأسد وهروبه من البلاد. وأورد الأمين العام المساعد للحزب إبراهيم الحديد، في بيان، أن القيادة المركزية للحزب قرَّرَت “تعليق العمل والنشاط الحزبي بأشكاله ومحاوره كافة حتى إشعار آخر”، وكذلك “تسليم الآليات والمركبات والأسلحة كافة” إلى وزارة الداخلية، على أن “توضع كل أملاك الحزب وأمواله تحت إشراف وزارة المالية… ويودع ريعها في مصرف سوريا المركزي”.
البشير: سوريا لجميع أبنائها
وأكد رئيس الحكومة الانتقالية محمد البشير أن تحالف الفصائل المسلحة بقيادة “هيئة تحرير الشام” سيضمن حقوق جميع الأديان، داعياً ملايين السوريين الذين لجأوا إلى الخارج للعودة إلى وطنهم.
وأكد البشير الذي سيتولى تسيير الأعمال حتى آذار أن “جوهر الإسلام، وهو دين العدل، تمّ تحويره. لأننا إسلاميون بالتحديد، سنضمن حقوق كل الناس وكل الطوائف في سوريا”، مع إقراره في تصريح لصحيفة “كورييري دي لا سيرا” الايطالية بأن “أخطاء ارتكبها بعض الجماعات الإسلامية” أدت إلى تشويه الإسلام وربطه بالإرهاب والتطرف.
وأضاف: “لا مشكلة لدينا مع أي كان، مع أي دولة، حزب أو طائفة، نأت بنفسها عن نظام الأسد المتعطش للدماء”.
ودعا البشير نحو ستة ملايين سوري، يشكلون ربع السكان، فروا من البلاد منذ العام 2011 إلى العودة من أجل “إعادة البناء” وتحقيق الازدهار.
عودة الحياة إلى دمشق وحلب
وفي دمشق، لوحظ عودة الحياة إلى طبيعتها شيئاً فشيئاً، ففتحت المحال أبوابها وتوافرت المواد الغذائية، فيما غصت المخابر والمقاهي بالزبائن.
وتزامن ذلك مع عودة الحياة إلى عاصمة الاقتصاد السوري، مدينة حلب. وعاد إيقاع الحياة الطبيعية الى المدينة التي يقطنها أكثر من مليوني نسمة، وكانت محوراً أساسياً للنشاط الاقتصادي في سوريا، ومقصداً رائجاً للسياح وعلماء الآثار.
وتستعيد حركة السير صخبها، حتّى إن بعض الإشارات المرورية عاود العمل، ويعكف أبناء المدينة على تسريع وتيرة عودة الأمور إلى مجاريها، لا سيمّا بعد انحسار وجود المسلحين في الشوارع.
وعند حلول الليل، يتقاطر إلى قلعة حلب في المدينة القديمة، وهي من المعالم التي كانت تستقطب السياح من العالم أجمع والتي سلمت نسبياً من القصف، بائعو الورد والحلويات والذرة. ويرقص شباب على وقع الطبول ويلتقطون صوراً لهم مع “علم الثورة” السورية.


