بدا واضحاً أمس بقوة، ما كان ظاهرا قبلاً، من أن الثقة الخارجية، الدولية والاقليمية، التي يحظى بها العهد برئاستيه، الجمهورية والحكومة، هي بالفعل “طوفان” لا يقف بوجهه شيء، أقله في المدى المنظور، وهو ما أدركه “حزب الله” جيداً فجال رئيس كتلته النيابية محمد رعد وصال بالكلام والبيان ثم أعطى الثقة لـ”حكومة لا مقاومة” الآتية بتكليف هائل لتنفيذ القرار 1701 الجديد، وتنظيف ما خلفته “حرب الإسناد” من ركام سياسي في ظرف تحول جيو – سياسياً استثنائياً جعل محور الممانعة، بقيادة طهران، إطاراً عابراً بلا روح.
وبعد يوم طويل من النواب طالبي الكلام، والكثير من النثر والشعر داخل القاعة الرئيسية للبرلمان، رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة الى يومها الثاني صباحاً، لأن عدد الكلمات لا يزال كبيراً في حين يجب أخذ الثقة مساء اليوم.
وبالعودة الى مجريات جلسة الأمس، استهلها رئيس الحكومة نواف سلام بتلاوة البيان الوزاري الذي نص على الالتزام ببسط سيادة الدولة على جميع أراضيها بقواها الذاتية حصراً، والتزام تعهداتها لا سيما لجهة تنفيذ الـ1701، ونشر الجيش على الحدود كما اتخاذ جميع الاجراءات لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي، مشدداً على أن “أوّل أهداف الحكومة العمل على قيام دولة القانون بعناصرها كافة وإصلاح مؤسّساتها وتحصين سيادتها، والسعي لأن تكون جديرة باسمها حكومة الإنقاذ والإصلاح”.
ومع إسقاط بند المقاومة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاماً، قال سلام: “نريد دولة تملك قرار الحرب والسلم، ونريد دولة وفية للدستور والوفاق الوطني والشروع في تطبيق ما بقي في هذه الوثيقة من دون تنفيذ، كما العمل على تنفيذ ما ورد في خطاب القسم للسيد رئيس الجمهوريّة حول واجب الدولة في احتكار حمل السلاح”.
وصحيح أنها المرة الأولى التي تسقط فيها ثلاثية “جيش – شعب – مقاومة” من البيان الوزاري، الا أن النائب محمد رعد، قال: “نحن جادون في التعاون، وثقتنا نمنحها للحكومة”، معتبراً أن “عناوين البيان الوزاري جميلة، ورد الكثير منها في بيانات سابقة، ما يعني أنّ المشكلة ليست في النّيات، بل في منهجية العمل والانقسام الوطنيّ”. ودعا الى “التدارس معاً بجدية خيارات التصدي للتهديدات والمخاطر في إطار استراتيجية أمن شامل”.
وأعرب أمين سر كتلة “اللقاء الديموقراطي” النائب هادي أبو الحسن الذي منح الثقة للحكومة، عن تقديره “لما ورد في البيان لجهة التأكيد على اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701، وحصر السلاح في يد الدولة”، لكنه رأى أنه لتحقيق أقصى فاعلية يجب إطلاق حملة ديبلوماسية مكثّفة باتجاه مجلس الأمن الدولي ودول القرار مع حملة إعلامية واسعة لإلزام إسرائيل الانسحاب الكامل وتحرير الأسرى اللبنانيين”، لافتاً الى أن “استيعاب سلاح المقاومة ضمن استراتيجية الأمن الوطني هو الخطوة الأهم التي تساعد على تعزيز قدرات الجيش”.
وأعلنت النائبة ستريدا جعجع باسم حزب “القوات اللبنانية” منح الثقة للحكومة “لأنها غير مرهونة بثلث معطل، وستكون لدينا الشجاعة على مساءلتها ومراقبة عملها”، داعيةً الى “استعادة قرار الحرب والسلم إلى داخل الحكومة من خلال تطبيق القرارات الدوليّة كافّة منها الـ1701 و1559 وتحقيق العدالة في انفجار المرفأ”.
أما بالنسبة الى “التيار الوطني الحرّ” غير الممثل في الحكومة، والذي حجب الثقة عنها وإنضم للمرة الأولى الى صفوف المعارضة، فاكتفى رئيسه جبران باسيل بمهاجمة حليفه اللدود السابق “حزب الله” الذي أعطى الثقة لحكومة سلام، وانتقد بعض بنود البيان الوزاري، على الرغم من تأكيده الموافقة “على ما ورد فيه لجهة القرار 1701، وتحرير كل الأراضي، واحتكار حمل السلاح وقرار الحرب والسلم واستراتيجية الدفاع”.
وسأل: “ما الفرق بين النص السابق (حق اللبنانيين في مقاومة الاحتلال)، والنص الحالي (حق لبنان بالدفاع عن النفس، واتخاذ الاجراءات لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي)؟”، قائلاً: “الفرق أن حزب الله ارتكب خطأً استراتيجياً كبيراً، وخسر في حرب إسناد غزّة ووحدة الساحات، وخسّرنا معه معادلة ردع إسرائيل، وخسر الشرعية الوطنية بمقاومة إسرائيل وحده، فتمّ حذف كلمة مقاومة من البيان الوزاري، ولكن لم يفقد لبنان شرعية مقاومة الاحتلال، ولا فقد حزب الله شرعيّته الشعبية”.
ويبقى الأهم نيل الحكومة الثقة خلال الساعات المقبلة، قبل بدء زيارات رئيس الجمهورية جوزاف عون الى الخارج، وستكون أولى محطات العهد الجديد في المملكة العربية السعودية، التي من المتوقع أن يزورها رئيس الحكومة بعد فترة، وبهذا تكون الجولات بدأت نحو المحيط الدولي والعربي، ما ينعكس إيجاباً على مختلف الأصعدة داخلياً.
الى ذلك، زار رئيس الجمهورية مقر “الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد”، وسلّم رئيسها كلود كرم وبحضور أعضائها، تصريح الذمة المالية، استناداً إلى قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحته رقم 175/2020.
وكان الرئيس عون دعا الأسبوع الماضي “الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد” إلى “تطبيق القانون وعدم الخضوع للضغوط من أيّ جهةٍ أتَت”، معتبراً أن دورها “أساسي” في المرحلة المقبلة. وأسف لأنّ “الفساد بات ثقافةً… ولن يتوقّف إذا لم تكن هناك مُحاسبة”، مؤكداً أن “همي الكبير هو مكافحة الفساد الذي نخر إدارات الدولة وصار ثقافة، ولا يوقف هذا الفساد الا المحاسبة”.
وفي سياق منفصل، أعلنت وزارة الخارجية السعودية عن ترحيب المملكة بإنعقاد مؤتمر الحوار الوطني السوري، آملةً أن يسهم ذلك في تحقيق تطلعات الشعب السوري الشقيق وتعزيز وحدته الوطنية.
وأكدت الوزارة دعم المملكة لجهود بناء مؤسسات الدولة السورية وتحقيق الاستقرار والرخاء لمواطنيها، مجددةً موقفها الداعم لأمن سوريا واستقرارها وسيادتها ووحدة أراضيها وسلامتها.
وكان البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني السوري الذي عقد أمس الثلاثاء في دمشق، بدعوة من السلطات وحضور مئات الشخصيات، اعتبر أن التشكيلات المسلحة هي “جماعات خارجة عن القانون”.
ودعا المجتمعون في البيان الذي تلته عضو اللجنة التحضيرية هدى الأتاسي، إلى “حصر السلاح بيد الدولة، وبناء جيش وطني احترافي، واعتبار أي تشكيلات مسلحة خارج المؤسسات الرسمية جماعات خارجة عن القانون”، في إشارة ضمنية إلى “قوات سوريا الديموقراطية” التي يقودها الأكراد، وفصائل ومجموعات لا تزال تحتفظ بسلاحها عقب إسقاط الرئيس بشار الأسد.


