خيارات جديدة لاستعادة الودائع في لبنان خلال 8 سنوات

هدى علاء الدين

وسط الأزمة المالية المستمرة في لبنان، يواجه المودعون تحديات كبيرة في استرداد أموالهم المجمّدة في المصارف، فيما تسعى السلطات إلى إيجاد حلول تقلل من فترة الانتظار الطويلة وتوفر حماية أكبر لأصحاب الودائع. وفي هذا السياق، قدّم معهد التمويل الدولي مقترحات جديدة تهدف إلى تسريع عملية استعادة الودائع، كجزء من رؤية أوسع تتطلب تنفيذ إصلاحات جذرية بدعم من صندوق النقد الدولي لضمان استدامة الدين العام، وتعزيز الاستقرار المالي، وإعادة الثقة بالنظام المصرفي اللبناني.

وفي هذا الاطار، اقترح معهد التمويل الدولي خيارات إضافية لحماية المودعين في لبنان، تتجاوز خطط الحكومات السابقة، ما قد يسرّع تسوية الودائع في أقل من 8 سنوات. وأكد المعهد ضرورة إعطاء الأولوية للودائع تحت 500,000 دولار، مشيراً إلى أن إجمالي الودائع الأجنبية بلغ 88 مليار دولار بنهاية 2024، منها 3 مليارات دولار “فريش” متاحة فوراً. كما شدد على أهمية دمج هذه الاجراءات في خطة إصلاحية شاملة تحظى بموافقة صندوق النقد الدولي، مع مراعاة استدامة الدين العام.

الخيارات المقترحة

  1. استخدام جزء من احتياطي الذهب كضمانات: أوضح المعهد أن الحكومة ومصرف لبنان غير مسموح لهما ببيع أي جزء من احتياطي الذهب، الذي تقدر قيمته بـ 26 مليار دولار حتى منتصف شباط 2025. لكنه أشار إلى أن السلطات يمكنها استخدام نصف الزيادة البالغة 12.8 مليار دولار في القيمة السوقية للذهب منذ نهاية 2019 كضمانات من خلال المصارف الاستثمارية العالمية. وأضاف أن العائدات الناتجة يمكن توزيعها تدريجياً على المودعين الصغار والمتوسطين.
  2. تحويل الفجوة بين الأصول والالتزامات بالعملات الأجنبية إلى شهادات إعادة هيكلة: اقترح معهد التمويل الدولي هذا الخيار متوقعاً ارتفاع احتياطات مصرف لبنان إلى 26 مليار دولار بحلول 2029، مع بلوغ إجمالي الاحتياطات، بما فيها الذهب، 53 مليار دولار. وهذا من شأنه تقليص العجز بالدولار من 62 مليار دولار في 2022 إلى 9 مليارات دولار في 2029، ما يسمح بنقل هذا العجز إلى دين حكومي واضح يُحوَّل إلى المصارف. لكن ذلك يتطلب تخفيضاً (haircut) يتجاوز 50 في المائة على سندات اليوروبوندز لضمان استدامة الدين.
  3. إتاحة جزء كبير من الودائع بالليرة اللبنانية: رأى المعهد أن جزءاً كبيراً من الودائع المؤهلة بالعملة الأجنبية يمكن أن يصبح متاحاً بالليرة اللبنانية، ضمن إطار برنامج إصلاح شامل واتفاق مع صندوق النقد الدولي. وأوضح أن تنفيذ الاصلاحات سيعيد الثقة، ويضع الاقتصاد على مسار تعافٍ قوي، ويحسن ميزان المدفوعات، ويؤدي إلى زيادة كبيرة في احتياطيات العملات الأجنبية، مع تحقيق استقرار واسع في سعر الصرف. وبناءً على ذلك، أشار إلى أن مصرف لبنان قد يوفر سيولة كافية بالليرة اللبنانية، ما يسمح للمصارف بتلبية الطلب على الودائع.
  4. إنشاء صندوق استرداد الودائع (DRF): أوصى معهد التمويل الدولي بتأسيس صندوق استرداد الودائع، ليتمكن المودعون الكبار الذين تتجاوز حساباتهم 500,000 دولار من استعادة جزء من ودائعهم. واقترح أن يشمل الصندوق في جانب الأصول شهادات إيداع تصدرها المصارف من ودائعها لدى مصرف لبنان.
  5. منح امتيازات لشركات متعددة الجنسيات لإدارة الأصول العامة: أكد المعهد أن السلطات اللبنانية يمكنها منح امتيازات لشركات متعددة الجنسيات من أجل إدارة المؤسسات التجارية المملوكة للدولة واستثمارها، مثل قطاع الكهرباء، شركات الاتصالات الخلوية، قطاع المياه، الموانئ، كازينو لبنان، والريجي (إدارة التبغ والتنباك) وغيرها. وأوضح أن تحسين كفاءة هذه الكيانات وربحيتها قد يشجع المودعين على الاكتتاب في رأسمالها، ما يعزز من فرص استرداد الودائع.
  6. إنشاء صندوق للموارد الهيدروكربونية: دعا معهد التمويل الدولي إلى إنشاء صندوق للموارد الهيدروكربونية بهدف الحفاظ على إيرادات الغاز المحتملة للأجيال القادمة. وأشار إلى أن جزءاً من العائدات المستقبلية يمكن تخصيصه للمودعين، لكنه نبه على أن هذه العائدات قد لا تتحقق قبل عام 2032.

وتعليقاً على ما ورد في تقرير معهد التمويل الدولي، أفادت مصادر “رابطة المودعين” موقع “لبنان الكبير” بعدة نقاط رئيسية. أولاً، بالنسبة الى إنشاء صندوق للمواد الهيدروكربونية، أشارت المصادر إلى أن الموضوع لا يزال غير مؤكد، وأنه “ليست لدينا معطيات موثوقة يمكن الاعتماد عليها” بشأن احتياطات المواد الهيدروكربونية. وأضافت أن ربط حقوق المودعين بشيء غير موجود بعد، وأن حجمه وطبيعته غير معروفين، يعتبر أمراً غير قابل للتعويل عليه في الوقت الراهن.

ثانياً، في ما يتعلق بمنح امتيازات لشركات متعددة الجنسيات لإدارة الأصول العامة، هناك هيئات تنظيمية يمكنها إدارة هذه العملية وفقاً للقوانين الحالية. وعليه، فإن السؤال المهم هو لماذا العودة إلى منح الامتيازات في وقت نعمل فيه على تحسين نموذج القطاع العام؟ وهل من المنطقي ربط هذه الملفات بأزمة المودعين؟ هذه الخطوة قد تؤدي إلى ربط أصول الدولة بالمودعين، وهو أمر مرفوض، وقد يفتح الباب لإعادة ربط الأصول مع حملة اليوروبوندز أو حتى مصرف لبنان، ما يجعل هذا النموذج غير قابل للتطبيق ضمن الحلول التي نفكر فيها.

أما بشأن إتاحة جزء كبير من الودائع بالليرة اللبنانية، فالمشكلة لا تكمن في الفكرة نفسها، بل في كيفية تطبيقها. وإذا لم تكن هناك سياسة مالية مدروسة بعناية، فقد تهدد استقرار الليرة اللبنانية وتؤدي إلى أزمة جديدة. وفي ما يخص فكرة إنشاء صندوق لاسترداد الودائع، أكدت المصادر أن الفكرة طرحت بالفعل، لكنها تختلف عن الصناديق التي تم طرحها سابقاً. والمشكلة تكمن أيضاً في كيفية تمويل هذا الصندوق: هل ستكون الأموال المتاحة ناتجة عن الفساد أو الهندسات المالية السابقة؟ إذا كان الأمر كذلك، فيجب أن تُستخدم هذه الأموال لاستعادة الأموال المنهوبة، وألا يُربط هذا الصندوق بأصول الدولة.

وفي ما يتعلق بتحويل الفجوة إلى شهادات إعادة هيكلة، تساءلت المصادر عمّن سيتحمل هذه الشهادات. وإذا تم فك الارتباط بين المصارف والمودعين، فإننا بذلك نريح المصارف من التزاماتها تجاه المودعين، وهو أمر غير منطقي. أما بالنسبة الى الذهب، فقالت المصادر إن هذا الموضوع لا يمكن طرحه في الوقت الحالي، بحيث إذا تم طرحه، يجب أن تتولى الدولة حماية ملكيته واستثماره بالكامل، لضمان عدم تصفيته بأسعار منخفضة.

ولفتت المصادر إلى أن أول خطوة أساسية يجب القيام بها لاستعادة أموال المودعين هي إجراء تدقيق جنائي داخل المصارف، وذلك لمعرفة القدرة الفعلية لكل بنك على تسديد الودائع وفق سقف محدد لا يقل عن حد أدنى معين، بناءً على ملاءته المالية. فهناك مصارف تستطيع تسديد مبلغ معين فوراً، بينما قد تتمكن مصارف أخرى من دفع مبالغ مختلفة، ولا يمكن تحديد ذلك بدقة إلا بعد إجراء التدقيق المطلوب.

وبالتوازي مع هذا التدقيق، لا بد من وضع خطة تعافٍ واضحة، تحدد آلية سداد الودائع المتبقية بعد دفع الدفعة الأولى المباشرة، مع توضيح مصادر التمويل والآلية التي سيتم اعتمادها لضمان استكمال الدفع، إضافةً إلى تحديد دور المصارف في هذا الاطار.

إلى جانب ذلك، يجب إصدار القوانين اللازمة لضمان تنفيذ هذه الخطة، وأهمها: إقرار قانون الكابيتال كونترول، إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف، ورفع السرية المصرفية لتمكين الرقابة والمحاسبة، ومنع أي تهرب من المسؤوليات المالية.

شارك المقال