لبنان يخوض معركة ديبلوماسية شرسة لبسط سيادة الدولة على الجنوب

زياد سامي عيتاني

بعد أن نالت حكومة الرئيس نواف سلام الثقة البرلمانية بتصويت 95 نائباً لصالحها من أصل 128، من بينهم نواب “حزب الله” وحليفته حركة “أمل”، دشّن رئيس الحكومة تحركه الداخلي بإختيار الجنوب وجهته الأولى، في خطوة لا تخلو من رسائل سياسية موجهة إلى الداخل كما الخارج عن اعتزام الدولة استعادة دورها في هذه المنطقة، التي ظلت لعقود تحت هيمنة “حزب الله”، وذلك وسط التحديات التي يواجهها العهد والحكومة الجديدة في معركتهما الديبلوماسية لحمل إسرائيل على الانسحاب من النقاط على الحدود الجنوبية، في حين تمضي تل أبيب قدماً في التحاف الغطاء الأميركي لإطالة إحتلالها، إذ إنه وعلى الرغم من إنسحاب الجيش الاسرائيلي في 18 شباط الماضي، بموجب إتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني من العام الماضي، بعد الحرب الاسرائيلية على “حزب الله”، وكذلك إنقضاء المهلة واصلت إسرائيل المماطلة بالابقاء على وجودها في 5 تلال داخل الأراضي اللبنانية على طول الخط الأزرق، من دون أن تعلن حتى الساعة موعداً رسمياً للانسحاب منها.

وحرص سلام على أن تكون محطته الأولى خلال جولته الجنوبية في ثكنة بنوا بركات في صور، كتأكيد على دور الجيش في المرحلة القادمة على صعيد حماية الجنوب وأهله بالتنسيق والتعاون مع “اليونيفيل”، خصوصاً مع إعلانه: “الجيش اللبناني يقوم اليوم بواجباته بشكل كامل، ويعزز انتشاره بكل إصرار وحزم من أجل ترسيخ الاستقرار في الجنوب وعودة أهالينا إلى قراهم وبيوتهم”، وأن “الحكومة ستعمل على تمكين الجيش اللبناني من خلال زيادة عديده وتجهيزه وتدريبه وتحسين أوضاعه، ما يعزز قدراته من أجل الدفاع عن لبنان”.

وبعد أقل من 24 ساعة على كلام سلام، جاء موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى صحيفة “الشرق الأوسط” ليتوّج ويدعم ما جاء على لسان رئيس الحكومة من خلال تشديده على أن “قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها”، وأن “اللبنانيين تعبوا من حروب الآخرين على أرضه”، معتبراً أن “مفهوم السيادة واضح ألا وهو حصر قرارَي الحرب والسلم بيد الدولة، واحتكار السلاح، وإذا كان لا بد من نزاع عسكري فسيكون بيد الدولة”.

وهذا الكلام الواضح والصريح لعون وسلام، تأكيد أن العهد والحكومة الجديدين ملتزمان باستعادة سيطرة الدولة على كامل جغرافيتها سواء من “حزب الله” أو من إسرائيل، مع الفارق الكبير بين الوجود العسكري للحزب، والاحتلال العسكري الاسرائيلي، الملزم بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، بموجب قرار مجلس الأمن 1701، وإتفاق وقف إطلاق النار الأخير. أما بالنسبة الى “حزب الله” فإن الوضع مختلف بحيث أن إنتشاره العسكري في الجنوب وبالتالي قضية ترسانته العسكرية هما قضية داخلية لبنانية (على الرغم من أبعادها الاقليمية)، إذ إنه وعلى مدى عقود من الزمن، وبدعم كامل من إيران حوّل جنوب لبنان إلى جبهة متقدمة في مواجهة إسرائيل، ولم يكن بمقدور الدولة ممثلة بالقوات العسكرية والأمنية بسط سيطرتها على المنطقة، بحيث استحكمت قبضته العسكرية على الجنوب في السنوات الأخيرة، وبات أشبه بـ”ملكية خاصة”.

لكن الوضع تغيّر بعد المواجهة الأخيرة مع إسرائيل التي انطلقت في الثامن من تشرين الأول 2023 واتخذت منحى خطيراً في أيلول الماضي، بعدما تكبّد خلالها الحزب خسائر فادحة سواء على مستوى قياداته في الصفوف الأولى أو في ترساناته العسكرية، الأمر الذي أجبره على القبول بوقف لاطلاق النار (لا تزال إسرائيل تخرقه بصورة يومية)، من دون أن يجد الحزب القدرة على الرد، وإن بصورة شكلية، بحيث إنعكست الضربات الموجعة التي تعرض لها على خياراته وقراراته السياسية، التي حتّمت عليه القبول بما كان يرفضه في السابق، وهو ما ترجم بانتخاب قائد الجيش العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، واختيار القاضي نواف سلام لرئاسة الحكومة، فضلاً عن الرضوخ لاتفاق وقف اطلاق النار، الذي يصفه المقربون من الحزب نفسه بأنه إتفاق “إذعان”.

وبالتزامن مع تمسك اسرائيل باحتلالها للنقاط الخمس وتمسك لبنان “الرسمي” بحقه في التحرير وإصراره على حصر السلاح بيد الدولة، ترددت أنباء من العاصمة الأميركية، مفادها أن عدداً من النواب يعدون مشروع قانون في الكونغرس يعطي الدولة اللبنانية مهلة 60 يوماً لنزع سلاح “حزب الله” ولتحقيق أمور أخرى، وإلا فإن أميركا ستوقف مساعداتها العسكرية للبنان، (بعد أن كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب قد أمهلت الحكومة اللبنانية شهراً لانتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح الميليشيات، وعلى رأسها “حزب الله”، والسلاح الفلسطيني المتفلت في المخيمات، وإلا إدراج لبنان ليكون تحت الفصل السابع)، مع الاشارة في هذا السياق الى أن وزير الدفاع الاسرائيلي، يسرائيل كاتس كشف أن “إسرائيل حصلت على ضوء أخضر أميركي للبقاء في المنطقة العازلة في جنوب لبنان”، من دون أن يحدد مساحة هذه المنطقة العازلة ولا أين تبدأ وأين تنتهي.

في ضوء كل هذه التطورات، بدأ لبنان يواجه تحدياً كبيراً على الأرض، كما في الأمن وفي الديبلوماسية، لإلزام إسرائيل على الانسحاب الفوري حتى الحدود الدولية، مع ما يعنيه الأمر من أن لبنان سيكون أمام معركة ديبلوماسية شرسة في مواجهة واشنطن وتل أبيب في آن واحد، وذلك بهدف التمكن من نشر الجيش اللبناني على إمتداد خريطة الجنوب الجغرافية، من دون إستثناء، تكريساً لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، قبل الشروع في فتح أخطر ملف وأكثره تعقيداً، والمتمثل بسلاح “حزب الله”.

شارك المقال