تمثل العودة المرتقبة للدعم السعودي للاقتصاد اللبناني خطوة استراتيجية محورية ستكون بمثابة طوق نجاة في ظل الانهيار المالي غير المسبوق الذي يعيشه لبنان. فعلى مدار عقود من الزمن، كانت المملكة تمثل الداعم الرئيسي للاقتصاد اللبناني، ليس من خلال الاستثمارات الضخمة التي ضختها في القطاعات الحيوية وحسب، بل أيضاً عبر المساعدات المالية السخية التي أسهمت في تعزيز استقرار الاقتصاد اللبناني على المدى الطويل. وقد شمل التأثير السعودي مجالات حيوية مثل العقارات والسياحة والمصارف، إضافة إلى دوره البارز في جهود إعادة الإعمار بعد الأزمات المتلاحقة. من هنا، أصبح من الضروري على لبنان اليوم أن يعمل على إعادة بناء جسور الثقة مع الرياض، حيث إن استعادة الاستثمارات الخليجية وفتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية قد يؤدّيان إلى تحول جذري في مسار التعافي الاقتصادي.
تاريخ من الاستثمارات والمساعدات
لطالما كانت السعودية أحد أكبر الشركاء الاقتصاديين للبنان، بحيث ضخت استثمارات ضخمة في الاقتصاد اللبناني من خلال مشاريع مباشرة أو مساعدات مالية وقروض ميسرة. فمنذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، بلغ إجمالي الاستثمارات والمساعدات السعودية للبنان نحو 70 مليار دولار، وهو ما ساهم في تعزيز البنية التحتية، وإنعاش القطاع المصرفي، وتحفيز النمو الاقتصادي على مدار السنوات. وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2007 و2010، تدفقت استثمارات سعودية بقيمة 30 مليار دولار، توجهت نسبة كبيرة منها نحو القطاعين العقاري والسياحي، ما أتاح طفرة اقتصادية شملت إنشاء مشاريع فندقية ضخمة، ومجمعات سكنية وتجارية في بيروت والمناطق الأخرى.
إلى جانب الاستثمارات المباشرة، كانت الودائع السعودية عاملاً مهماً في تحقيق الاستقرار المالي والنقدي على مدار السنوات، وذلك بهدف حماية الليرة اللبنانية وتعزيز قوتها. من أبرز هذه الودائع كانت وديعة المليار دولار التي أودعتها المملكة في مصرف لبنان في العام 2006، والتي لعبت دوراً كبيراً في دعم العملة الوطنية. كما لعبت الودائع في المصارف اللبنانية دوراً حاسماً في استقرار القطاع المصرفي، بحيث قدرت هذه الودائع في العام 2016 بنحو 4 مليارات دولار، ما يعادل 20 في المئة من إجمالي الودائع المصرفية في البلاد في ذلك الوقت. ولكن الأزمة المالية الأخيرة وتراجع ثقة المستثمرين أثرا بصورة كبيرة على تدفق هذه الأموال، ما ساهم في تعميق الانهيار الاقتصادي، فأصبحت البنوك اللبنانية تعاني من نقص حاد في السيولة، ما فاقم الأزمة المالية الممتدة منذ العام 2019.
كذلك، كانت السعودية من أكبر الداعمين للبنان في أوقات الأزمات، وقدمت مساعدات مالية وإنسانية ضخمة. من أبرز هذه المساعدات كان منح وقروض بقيمة 2.53 مليار دولار بين 1980 و2010 لدعم مشاريع تنموية، بالاضافة إلى هبة بقيمة 3 مليارات دولار لدعم الجيش اللبناني في العام 2013، ومليار دولار أخرى لدعم قوى الأمن الداخلي. كما كان للمملكة دور محوري في مساعدة لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، اذ أرسلت أكثر من 200 طن من المساعدات الطبية والإنسانية.
ولا يمكن إغفال دور التحويلات المالية من المغتربين اللبنانيين في السعودية، التي تعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في لبنان، حيث تشكل التحويلات من دول الخليج نحو 4.5 مليارات دولار سنوياً، نصفها تقريباً يأتي من المملكة وحدها. وتلعب هذه التحويلات دوراً حيوياً في تمويل الاستهلاك المحلي، وتعويض العجز في الميزان التجاري، خصوصاً في ظل تراجع الصادرات اللبنانية وانخفاض الاستثمارات الأجنبية.
السعوديون.. القوة الدافعة للسياحة اللبنانية
يعتبر القطاع السياحي اللبناني أحد الأعمدة الأساسية في الاقتصاد اللبناني، بحيث يشكل السياح السعوديون عنصراً رئيسياً في هذا القطاع. فقد بلغ تمثيل السياح السعوديين أكثر من ربع السياح العرب في لبنان، وكانوا في مقدمة قائمة الإنفاق السياحي، اذ بلغ إنفاقهم نحو 15 في المئة من إجمالي إنفاق السياح في العام 2019. ويشتهر السياح السعوديون بإنفاقهم المرتفع الذي يتراوح بين 1000 و1500 دولار يومياً، ما يجعلهم ركيزة أساسية لقطاعات الضيافة والفنادق والمطاعم والتسوق والخدمات الفاخرة، وهو ما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد اللبناني.
وكان لرفع الحظر عن سفر السعوديين إلى لبنان في العام 2019 أثر كبير في تنشيط السياحة، بحيث ارتفع عدد السياح السعوديين إلى 10,041 سائحاً في شباط من ذلك العام مقارنة بـ6,009 سياح في الفترة نفسها من 2018. وهذا التدفق السياحي أسهم في تحريك العجلة الاقتصادية، وحفّز الاستثمارات في القطاع السياحي.
لكن غياب السياح السعوديين بسبب قرارات حظر السفر لاحقاً أدى إلى خسائر ملحوظة على مختلف الأصعدة، وشهدت إيرادات السياحة تراجعاً حادًا نتيجة غياب واحدة من أكثر الفئات إنفاقاً. وقد أثر ذلك بصورة كبيرة على قطاع الضيافة، خصوصاً الفنادق والمطاعم الراقية والمراكز التجارية في بيروت، التي تعتمد كثيراً على الزوار الخليجيين. كما تراجعت الطلبات على الخدمات الفاخرة مثل تأجير السيارات الراقية والمنتجعات الصحية والتسوق من العلامات التجارية العالمية.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، يبقى القطاع السياحي اللبناني في حاجة ماسة إلى إعادة الزخم الذي لطالما أتاحته السياحة الخليجية، وخصوصاً من السياح السعوديين. ومع اقتراب موسم الصيف، يترقب الاقتصاد اللبناني عودة هذه الشريحة الحيوية التي لا تقتصر مساهمتها على تنشيط قطاع الضيافة والتجزئة فحسب، بل تمتد إلى دعم الاستثمار في السياحة والخدمات الفاخرة. كما أن انتعاش السياحة السعودية في لبنان من شأنه أن يسهم في تحسين ميزان المدفوعات، وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، وتحفيز النشاط الاقتصادي في القطاعات المرتبطة بها.
الاستقرار والإصلاح أساس الشراكة الاقتصادية
لن تكون عودة الدعم السعودي للبنان بلا شروط، إذ تدرك المملكة أن أي استثمارات جديدة تتطلب بيئة سياسية واقتصادية مستقرة تضمن استدامتها وحمايتها من المخاطر. وبالتالي، فإن دعمها سيظل مشروطاً بخطوات لبنانية جادة لمعالجة القضايا العالقة، وأبرزها تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، بعيداً عن التوترات والتدخلات الخارجية التي أسهمت في تدهور العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
كما تشدد المملكة على ضرورة التزام لبنان بالاتفاقيات الدولية والعربية، لا سيما اتفاق الطائف، مع بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها من أجل تعزيز الاستقرار الداخلي. واقتصادياً، تطالب السعودية بإصلاحات حقيقية لضمان عدم تكرار الأزمات المالية، من خلال تحسين بيئة الأعمال، وضمان الشفافية القانونية، وتسهيل الاجراءات لتوفير بيئة تنافسية تشجع على جذب الاستثمارات الخليجية.
إذاً، يعتمد نجاح استعادة العلاقات الاقتصادية بين لبنان والسعودية على قدرة لبنان على تنفيذ إصلاحات جذرية تضمن السيادة الداخلية وتستعيد الثقة في بيئة الاستثمار. وبينما لا تزال السعودية تدرك الأهمية الاستراتيجية للبنان، فإنها تطالب بخطوات ملموسة تضمن استدامة الدعم وفتح أفق جديد للاقتصاد اللبناني. فهل سيتمكن لبنان من الوفاء بتلك التحديات؟


